📖 عاشوراء نبضٌ وجداني

✍🏼 تركي العجيان
عاشوراء ليست مجرّد محطةٍ زمنيةٍ عابرة، بل هي محطةٌ يتجدد فيها وجدان كلِّ من يتفاعل معها، فترسم مساره الحياتي من جديد. إنها تُجدِّد فكر الإنسان ووعيه، وتُهذِّب رغباته وتطلعاته النفسية، وتُعزِّز إرادة قلبه الوجداني؛ فعاشوراء تعيد تشكيل هوية الإنسان الوجدانية.
وهنا أقف عند زاويةٍ أراها تمثل جوهر عاشوراء، وهي ذلك البعد العاطفي الذي تمتاز به، بحيث لا تكاد تنافسها أيُّ مناسبةٍ أخرى في تاريخ الإنسانية. فهذا الهيجان العاطفي الهائل من شأنه أن يعيد رسم خارطة مسيرة الإنسان في مختلف أبعاد شخصيته.
فهي ليست مجرّد دموعٍ تنهمر على الخدود، بل هي طاقةٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتترك أثرها العميق في وجدان الإنسان، وتدفعه إلى مراجعة ذاته، وإعادة ترتيب أولوياته، واستحضار القيم التي تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها.
وطبيعي أن تحظى عاشوراء بهذا الحضور العاطفي الاستثنائي؛ لما شهدته من ظلمٍ وقع على آل بيت النبي “صلى الله عليه وآله”، وما جرى فيها من ممارساتٍ وحشية تركت جرحًا عميقًا في ضمير الإنسانية. فكلما ذُكرت عاشوراء استُحضرت تلك المأساة الكبرى، واستُعيد ذلك المصاب الأليم الذي تهتز له عواطف كلِّ إنسان يمتلك قلبًا حيًا ووجدانًا سليمًا.
ويزداد هذا التأثير عمقًا حين نلتفت إلى أن تلك التضحية لم تصدر من أشخاصٍ عاديين، بل من قممٍ في الدين والأخلاق والإنسانية، يتقدمهم سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين “عليه السلام”، سبط رسول الله “صلى الله عليه وآله”. ومن هنا كانت عاشوراء مصدرًا عاطفيًا فريدًا، يدفع كلّ من يتأمل أحداثها إلى التفاعل معها وجدانيًا وإنسانيًا بصورةٍ لا تكاد تتكرر في أي حدثٍ آخر.
ومن طبيعة هذه العاطفة المتدفقة تجاه أبي عبد الله الحسين “عليه السلام” وأصحابه الشهداء أنها لا تبقى حبيسة المشاعر، بل تهيئ الإنسان لممارسة سلوكياتٍ إيجابية تعكس القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين “عليه السلام”. فالعاطفة الصادقة تتحول مع الزمن إلى قوةٍ دافعةٍ للسلوك، وإلى التزامٍ عملي بالمبادئ التي تُجسدها عاشوراء.
ومن أبرز هذه القيم قيمة رفض الظلم؛ فالمتفاعل بصدقٍ مع القضية الحسينية يجد نفسه أقرب إلى رفض العدوان على حقوق الآخرين، وأبعد عن ممارسة الظلم في حياته وسلوكه. وقد لا يبلغ جميع الناس المستوى نفسه من الالتزام بهذه القيم، إلا أن الثمرة الطبيعية لهذه العاطفة هي ترسيخ موقفٍ وجداني وأخلاقي مناهضٍ للظلم، ومؤيدٍ للعدل والإنصاف.
ومن هنا تتجذر هذه القيمة في النفوس، لأنها تمثل أحد أبرز المبادئ التي أكد عليها الإمام الحسين “عليه السلام” في نهضته المباركة وخطاباته الشريفة.
ومن هنا لا تصنع عاشوراء مجرّد حالةٍ عاطفية، بل تصنع إنسانًا يعيش الإنسانية في أعماقه، ويترجمها إلى مواقف وسلوكيات في حياته اليومية.
وقد يتساءل البعض: ما فائدة هذه الدموع التي تفيض في موسم عاشوراء؟
والحقيقة أن هذا التساؤل يغفل الأثر العميق الذي تصنعه تلك الدموع في نفس الإنسان. فهي ليست مجرّد انفعالٍ عاطفي عابر، بل وسيلة لإحياء القلب وتليين الوجدان، بما يجعل الإنسان أقرب إلى الاستجابة لما يريده الله سبحانه وتعالى منه.
ولذلك يجد المتأمل أن القلوب في موسم عاشوراء تكون أكثر استعدادًا للطهارة والنقاء، وأكثر قابليةً لمراجعة الذات وتصحيح المسار. بل إن بعض الناس قد يبتعدون عن ممارساتٍ خاطئة كانوا يمارسونها في سائر أيام السنة، لا نتيجة ضغطٍ خارجي، وإنما بفعل التأثر الوجداني الصادق الذي أحدثته القضية الحسينية في نفوسهم.
ومن هنا تمثل هذه الحالة العاطفية خطوةً أولى في طريق التغيير؛ إذ يبدأ التحول من داخل الإنسان، من قلبه ووجدانه، قبل أن ينعكس على سلوكه وحياته.
ولو لم تحقق عاشوراء سوى هذا الأثر العاطفي العميق لكفاها إنجازًا عظيمًا في بناء الإنسان وإصلاح شخصيته؛ لأن الهدف الأساس من عاشوراء ليس مجرّد استحضار حدثٍ تاريخي، وإنما تصحيح مسار الإنسان وتوجيهه نحو الله سبحانه وتعالى، وإيقاظ القيم التي تقربه منه.
فإذا خرج الإنسان من عاشوراء بقلبٍ أكثر نقاءً، وإرادةٍ أكثر قوة، وعزمٍ صادق على مراجعة نفسه وتصحيح أخطائه، فإنه يكون قد حقق جانبًا مهمًا من الغاية التي نهض من أجلها الإمام الحسين “عليه السلام”.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذا البعد العاطفي لا تكمن في المشاعر ذاتها، وإنما فيما تتركه من أثرٍ في الفكر والسلوك، وما تحدثه من تحولٍ يقرّب الإنسان من ربه، ويجعله أكثر التزامًا بالحق والعدل والخير.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.