قصة قصيرة بعنوان ( قيلولة مؤلمة )

✍️ فاضل أحمد هلال
بينما كنت جالساً على الكرسي في أحد مجالس العزاء في أحدى الحسينات وإذا برجلٍ كبير في السن قد أقبل وكان ينظر حواليه في أطراف الحسينية يبحث عن مكان يجلس فيه فنهضت من مكاني وتوجهت إليه أمسكته من يده وأجلسته مكاني وجلست أنا على الأرض , فبدأ الخطيب بالقراءة و النعي بأبيات حزينة وكنت قد وضعت رأسي بين ركبتي وأنا أستمع إليه وقد كان القاريء خطيباً مميزاً ذا صوتٍ جميل , وكان المجلس مكتظاً بالمستمعين , فانتهى الخطيب من أبياته وبدأ يتحدث عن موضوع يتعلق بالجحود ونكران المعروف وكنت متعباً بعض الشيء فأغمضت عيني برهة من الزمن لم تتجاوز وقتاً يذكر ربما كانت دقيقة أو ثواني معدودة قد غفوت فيها ، وإذا بتلك الروح انفصلت عن جسدي ووقفت فوق رأسي تحدق بي ولم ترحل ولم تبرح مكانها فعادتها في المنام تنطلق وترتع وتلعب وأنا على غير علم مني بها أستعود لي أم سترحل عني لباريها ، فسألتني قائلة وكأنها تجهلني ، يا هذا من أنت ؟ وكأني غريبٌ عنها ، وإذا بي وكأني جالس في أرضٍ قاحلة جافة بها شجرة ضخمة بلغت من العُمرِ عِتيا ، وأنا في صمت وذهول مما أرى , وإذا بها كررت سؤالها فقالت لي من أنت ؟
أجبني , أأنت ذلك الغصن الهزيل المنكسرعلى تلك الشجرة ، أم انت تلك الورقة التي ذبلت ويبست وسقطت على الثرى ، أم أنت تلك الشجرة التي امتدت جذورها تبحث عن الماء الدفين لتتعلق بالحياة فتصبح مثمرة ، أم أنت هذه الأرض القاحلة التي أعطت فأغنت وكَفت ووفت ولما جفت تُركت وهُجرت ، ولا تقل لي بأنك تلك الثمرة الوحيدة الذابلة في أعلى هذه الشجرة , وما أكملت حديثها حتى سقطت تلك الثمرة على الأرض ، فعاتبتني روحي ونهرتني قائلة بصوت حاد ومرتفع ، لمن ستُفني ما تبقى من عمرك القصير بهذا الجسد النحيل ؟ أللذين أنكروا فضلك وإحسانك ورأوك في النهاية بلا فائدة وليس فيك خيرٌ يُذكر ولا حسنةً طيبة تذكر، فدمعت عيني بالبكاء حتى ملأت أركان الأرض من حولي وإذا بتلك الثمرة اليابسة التي قد سقطت على الأرض قد ارتوت من دموعي ونبتت وخرجت منها جذور وسيقان وأوراق فاشتد غصنها وارتفع طولها وأوردت وأينعت ثمارها فشعرت بالفرحة تغمرني مستبشراً ولم تطل فرحتي إلا لحظة وإذا بالأرض من جنبي قد انشقت وابتلعتني ، فجلست من قيلولتي منذهلاً وجسدي يتصبب من العرق وكأني نمت ألف سنة .
والحمد لله رب العالمين على جزيل نعمته وسعة فضله .