من عبق الماضي: حكاية “الحراسين” في القطيف

🖍️ حسن محمد آل ناصر
———————————-
في ذاكرة القطيف وعبق التراث وجمال الماضي حيث تمتزج رائحة الماء برائحة الأرض وتنساب الحكايات بهدوء يشبه جريان العيون الجوفية هناك تتجلى ملامح حياة قديمة في القطيف حياة كان فيها الإنسان أقرب إلى بيئته واشد التصاقا بتفاصيلها الصغيرة التي صنعت يومه وذاكرته.
حينما كنا صغار كانت خطواتنا تقودنا بشغف إلى النخيل والمزارع في القطيف وغالبا القديح بلدي الحبيبة حيث تنتشر العيون الجوفية والآبار الارتوازية وتمتد المجاري المائية والسدود الصغيرة التي تغذي الأرض بالحياة، أجل بين خضرة النخيل وصفاء المياه، آنذاك نقضي أوقاتا لا تنسى نسبح ونلهو ونقفز في تلك العيون ونضحك ببراءة ونصنع من تلك اللحظات عالما خاصا بنا.
وفي تلك المياه كانت ترافقنا أسماك صغيرة “الحراسين” تقترب منا بهدوء تداعب اجسادنا بحركتها الخفيفة فنشعر وكأنها تدغدغنا وتشاركنا اللعب وتمنحنا إحساسا عفويا بالنقاء والراحة، وعندما كبرنا عرفنا بأنها كانت تتغذى على جلدنا التالف الميت والمواد الدقيقة العالقة، وهو ما جعلها مألوفة في البيئات الشعبية القديمة ومرتبطة بتجارب الاستحمام، ونراها تلتف حولنا فنمد أيدينا إليها ونصطادها برفق ثم نعيدها إلى الماء وأحيانا نحمل بعضها معنا إلى البيت ونضعها في حوض صغير ونعتني بها ونراقبها بشغف.
وكنا نعمها الخبز أو التمر ونضع القطعة في أيدينا فنشاهدها تتجمع حولها بشراهة في مشهد بسيط لكنه كان يملأ قلوبنا فرحا، تلك اللحظات لم تكن مجرد لعب، بل كانت شعورا عميقا بالألفة مع الطبيعة وانسجاما صادقا مع كل ما حولنا، كانت تجربة لا تنسى تختزن في داخلها عبق الطفولة وصدقها فتبقى محفورة في الذاكرة كأحد أجمل ملامح الماضي في القطيف.
لم تكن الطبيعة مجرد خلفية للحياة لكن كانت شريكا فيها، فالماء يجري في القنوات والنخيل يظلل الحقول والحياة الزراعية تتنفس عبر العيون والسواقي التي شكلت شريانا للأرض والإنسان معا، وهذا المشهد التراثي عالق بالقلب والروح، كانت “الحراسين” أو كما يحلو للبعض تسميتها “الحرسون” حاضرة بهدوء كجزء دقيق لكنه ثابت من دورة الحياة اليومية في السابق.
“الحراسين” ومفردها حرسون وهي أسماك صغيرة الحجم تعيش في البحر تمتلك قدرة فريدة على التكيف مع المياه قليلة الملوحة، ولذلك لم تكن محصورة في البحر فقط، بل كانت تظهر بكثرة في العيون الطبيعية والقنوات الري مثلما سبق ذكره، وهذا الحضور جعلها من المشاهد الزراعية والبيئية في القطيف مألوفة لعين الفلاح والأطفال وكل من يعيش قرب الماء.
كان الفلاح يراها تتحرك مع تدفق الماء في مجاري الري وكأنها تسير مع حركة الأرض نفسها وكان الناس يرونها في صفاء العيون الجوفية وهي تسبح في تجمعات صغيرة داخل المياه النقية، ومع بساطة الأدوات في ذلك الزمان فلم تكن هذه المشاهد تعد أمرا عابرا لكنها كانت من تفاصيل الحياة التي اعتدادها الناس كما يعتادون على صوت الكائنات الأخرى في النخيل والمزارع.
فالقطيف كانت في الماضي عالما نابضا بالحياة الفطرية، لا تقتصر على “الحراسين” في مجاري الري والعيون، بل تمتد لتحتضن الضفادع والسلاحف ودجاج الماء، وتتحرك بين أطرافها السحالي وتنساب فيها الثعابين وحشرة “العنجوش”، فيما يحلق الجراد والفراشات وتطن النحل والدبابير وتختبئ الخنافس في زوايا الأرض، وكانت موطنا لحياة متكاملة تتجاوز فيها الكائنات في مشهد حي تتداخل فيه الحركة والصوت والسكينة، حيث تقفز الضفادع على حواف الماء وتستكين السلاحف في هدوئه وتراقب السحالي بصمت وتنساب الثعابين خفية بينما تمتلئ الأجواء بحركة الحشرات وتنوعها فكان ذلك كله صورة طبيعية غنية تعكس وفرة الحياة وعمق التناغم بين الإنسان وبيئته وتبقى هذه المشاهد خفية غنية تعكس وفرة الحياة وعمق التناغم.
ومع تغير الزمن وتحول أنظمة الري وتراجع العيون الجوفية أو اختفائها من بعض المناطق تراجع حضور تلك البيئة من المشهد اليومي، وكذلك “الحراسين” لكنها لم تغب عن الذاكرة الشعبية فما زالت باقية من عبق الماضي لأنها كانت اكثر قربا من طبيعتنا نحن القطيفيون وأكثر بساطة في إيقاعها وأكثر صدقا في تفاصيلها.
وفي الأخير لا تستعاد “الحراسين” في ذاكرة أهل القطيف ككائنات صغيرة عاشت في الماء فحسب، بل لأنها كانت حياة يومية بكل ما فيها من كائنات فطرية شكلت لنا لوحة يومية مألوفة ومتوازنة وأن تبدلت تلك اللوحة البيئية وملامحها إلا أنها حاضرة في ذاكرتنا كعبق لا يبهت وجمال لا يوصف.