مقالات

📃 المعاناة الصامتة

🖋 تركي العجيان

هناك فئةٌ في المجتمع تعيش معاناةً لا يشعر بها الآخرون. تراها بين أفراد أسرتها، وفي مقاعد الدراسة، وفي مختلف جوانب الحياة، إلا أنها تمضي في كل ذلك وهي تحمل معاناةً صامتة لا يكاد يلتفت إليها أحد.

يراها الناس تعيش حياةً طبيعية، ويعاملونها على هذا الأساس، غير أن هذه النظرة ذاتها قد تكون مصدرًا لألمٍ جديد؛ لأن ذلك يتجاهل حقيقة ما تعيشه هذه الفئة في أعماقها.

ففي المنزل، قد يدرك بعض أفراد الأسرة وجود مثل تلك المعاناة لدى أحدهم، بينما يغفل عنها آخرون، فيسيئون التصرف عن قصدٍ أو بغير قصد، ويزيدون من ثقل ما تحمله هذه الفئة بصمت.

وفي المدرسة، قد يغيب عن كثيرٍ من المعلمين والمعلمات، والطلاب والطالبات، بل وحتى عن بعض الأنظمة التعليمية، إدراك طبيعة هذه الفئة ومعاناتها. فيُعامل أفرادها كما يُعامل غيرهم، وتُفرض عليهم التوقعات نفسها، دون مراعاةٍ لخصوصية قدراتهم. وفي أفضل الأحوال، يُقولَبون ضمن قوالب عامة، أو يُدرجون ضمن فئات عامة قد لا تتناسب مع طبيعتهم الفعلية؛ فهم وإن اشتركوا مع غيرهم في بعض جوانب المعاناة، فإن لكلِّ فردٍ منهم عالمه الخاص الذي ينبغي اكتشافه وفهمه. ومن هنا، تتحول البيئة التي يُفترض أن تكون مصدرًا للدعم إلى سببٍ آخر من أسباب الألم.

أما في المجتمع، فغالبًا ما تبقى هذه الفئة على الهامش، لا لأنها قليلة، بل لأنها غير مفهومة. وقد يحظى بعض أفرادها بمن يحيطهم بالرعاية والاهتمام من الوالدين أو الأقربين أو بعض أفراد المجتمع، إلا أن كثيرًا منهم يعيشون معاناتهم في صمت، بعيدًا عن أنظار الناس.

وهنا يبرز سؤالٌ مهم: لماذا كلُّ هذا الصمت؟ أليس باستطاعتهم أن يعبّروا عن ألمهم؟ أو أن يدافعوا عن أنفسهم؟ أو أن يطالبوا بحقوقهم؟

مع الأسف، ليس الأمر بهذه البساطة. فهم يعيشون الألم فعلًا، ويشعرون بالمعاناة، غير أنهم في كثيرٍ من الأحيان لا يملكون القدرة على التعبير عنها، أو الإفصاح عن حقيقتها، بل قد يعجز بعضهم عن فهمها أصلًا. ولهذا فهم في أمسّ الحاجة إلى من يتلمس أعماقهم، ويفهم مشاعرهم، ويصبر على اكتشاف عالمهم الداخلي؛ لأن هذا الفهم لا يتحقق بالنظرة العابرة، ولا بالأحكام العامة، بل يحتاج إلى صبرٍ ووعيٍ وإنسانية.

وحين يغيب هذا الفهم، ويعجز أصحاب هذه المعاناة عن التعبير، أو الدفاع عن أنفسهم، أو خوض معركة المطالبة بحقوقهم، فإنهم يواصلون حياتهم وهم يحملون ما يمكن أن نطلق عليه بحق: المعاناة الصامتة.

وقد يسأل سائل: من هي هذه الفئة؟

في الحقيقة، لم أقف على اسمٍ يصف هذه الفئة، لذلك أسميتها «الفئة المحيّرة». وليس هذا لأن الغموض يحيط بها، وإنما لأن كل محاولة لوضعها داخل قالب عام تبدو قاصرة عن تفسير حقيقتها. فهي لا تنطبق عليها الصورة الواضحة لمتلازمة داون، ولا لطيف التوحد، ولا الإعاقة الذهنية، ومع ذلك فهي تعيش تحدياتها الخاصة. وقد تشترك مع بعض هذه الفئات في جوانب معينة، لكنها لا تُختزل في أيٍ منها، ولا يمكن فهمها من خلالها.

ولهذا فإن أكبر خطأ لا يكمن في العجز عن تسميتها، بل في المسارعة إلى تصنيفها. فهذه الفئة لا تحتاج إلى اسم بقدر ما تحتاج إلى فهم، ولا تحتاج إلى قالب عام بقدر ما تحتاج إلى قراءة كلِّ فردٍ فيها بوصفه حالة إنسانية مستقلة.

ولستُ هنا بصدد تقديم دراسةٍ أكاديميةٍ عن هذه الفئة، ولا إلى وضع خصائصها أو رسم حدودها، وإنما حديثي حديثٌ وجداني، غايته أن يلفت الانتباه إلى إنسانٍ قد يعيش بيننا، بينما تغيب عنا حقيقة ما يعانيه.

فإذا صادفت يومًا شخصيةً تبدو لك في ظاهرها طبيعية، ثم رأيتها تُبدع في جانبٍ، وتُخفق في جانبٍ آخر، أو تمتلك قدرةً لافتةً في أمرٍ، وتعجز عما يراه الناس يسيرًا في أمرٍ آخر، فلا تتعجل في الحكم عليها، ولا تفسر سلوكها بسوء الظن أو التقصير أو الإهمال. بل جرّد نفسك من الأحكام المسبقة، وتأملها بإنصاف، وضع في ذهنك احتمالًا قد يغيب عن كثيرين: لعل هذا الإنسان ينتمي إلى ما أسميته: الفئة المحيّرة.

ولا يمكن الجزم بأنه منها، ولكن يكفي أن تستحضر هذا الاحتمال؛ لأن مجرد استحضاره سيغيّر طريقة تعاملك معه. وستنتقل من إصدار الأحكام إلى محاولة الفهم، ومن المقارنة إلى الاكتشاف.

إن من أكبر الأخطاء أن يُعامل أفراد هذه الفئة كما يُعامل الجميع، أو أن يُزجّ بهم في برامج عامة صُممت لغيرهم، أو أن يُقاسوا بمن حولهم. فكلُّ واحدٍ منهم يحمل عالمًا مختلفًا، ولا يمكن الوصول إليه إلا بفهمه بما هو هو، لا بما تفرضه التصنيفات العامة.

ولهذا فإن أول نداء أوجهه إلى الأسرة، وبخاصة الأب والأم. فإذا وجدتم بين أفراد الأسرة من يختلف عن إخوته في نمط فهمه، أو طريقة تعلمه، أو تفاعله مع الحياة، فلا تجعلوا هذا الاختلاف سببًا للمقارنة أو القسوة، بل اعتبروه أمانةً أودعها الله بين أيديكم. وهذه الأمانة لا تُصان إلا بالصبر، والاحتواء، والسعي إلى فهم هذا الإنسان كما هو، لا كما نريد له أن يكون.

وأوجه حديثي كذلك إلى البيئة التعليمية؛ فليست العدالة التربوية أن نعامل جميع الطلاب بالطريقة نفسها، وإنما أن نمنح كل طالبٍ ما يناسبه من وسائل الفهم والتعلم والنمو، ما أمكن ذلك. فالمساواة في الوسائل ليست دائمًا عدلًا، بينما قد يكون الإنصاف في مراعاة الفروق هو العدل الحقيقي.

أما المجتمع، فهو مدعو للارتقاء بوعيه في قراءة أفراده. فليس كل اختلافٍ غرابة، وليس كل إخفاقٍ تقصيرًا، وليس كل سلوكٍ غير مألوف دليلًا على سوء التربية أو ضعف الشخصية. وقد تكون الكلمة الجارحة، أو السخرية، أو النظرة القاسية، عبئًا جديدًا يضاف إلى معاناةٍ لا يعلمها إلا صاحبها.

ومن هنا، أدعو إلى مبادراتٍ مجتمعية تمنح هذه الفئة مساحةً أوسع من الفهم والاحتواء، بعيدًا عن القوالب العامة والتصنيفات الواسعة. فهذه الفئة ليست بحاجة إلى مزيدٍ من الأسماء، بقدر حاجتها إلى مزيدٍ من الوعي بها، وإلى برامج تراعي خصوصية كلِّ فردٍ فيها، وتساعده على اكتشاف مواطن قوته، وتنمية إمكاناته، ليجد مكانه الطبيعي في المجتمع، لا على هامشه.

وختامًا .. قد لا نستطيع أن نغير واقع هذه الفئة، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي ننظر بها إليها. فكم من إنسانٍ حُكم عليه من ظاهر أمره، بينما كانت حقيقته أعمق من أن تُختزل في تصنيف، أو تُفهم من خلال مقارنة، أو تُقاس بغيره.

إن هذه الفئة لا تنتظر من الأسرة ولا من البيئة التعليمية ولا من المجتمع أن يمنحها اسمًا جديدًا، بقدر ما تنتظر أن يمنحها فهمًا أعمق.

وحين ننجح في أن نفهم الإنسان قبل أن نصنّفه، نكون قد بدأنا أول خطوةٍ في تخفيف المعاناة الصامتة.

زر الذهاب إلى الأعلى