جحيم الفقاعة !!

✍️ حسين المحروس
——————–
يعيش بعض الناس مخدوعين ويرزحون تحت سجن فقاعة الذات, وهي عدسة ذهنية محدبة تضخم حجم المرء بطريقة وهمية مراوغة. فهو يرى كل شيء ما خلا شخصه باطلا وعديم الفائدة. يتوهم كما لو ان له يدا في نشأة العالم وانه مسمار مركز الوجود وعليه استقر مداره وان كل ما في الكون هو طيع له ورهن اشارته. هذه الصورة المغلوطة تتكوّن تدريجيًا من اختيارات انتقائية في الرؤية, ومن تفسير الأحداث بمنهجية تضع ال “انا” أولا وفوق كل اعتبار. زاوية تُبرز ما يخدم الشعور بالرضا، وفي نفس السياق تقوم بتهمّيش كل ما يفرض مراجعة الذات. ومع الزمن، تسيطر هكذا نسخة مشوهة للنفس على الإطار الحاكم للتفكير، فيقيس الواقع بمدى توافقه مع نطاقه الخاص وما ينسجم مع ما يحس به. حقا, انه ليستدر العطف من يقبع في براثن أسر الفقاعة بوصفها نظام لا إدراكي منغلق، وحالة نفسية مرضية مزمنة.
وهم الوجاهة الاجتماعية والهيمنة والشهرة والنفوذ امثلة من الصور التي قد تؤدي دورًا مركزيًا في ترسيخ الفقاعة الذاتية. فالصورة الاجتماعية تتحول إلى حجة نفسية داخلية للحكم على الذات، فيُعاد تفسير الوقائع بما يتوافق وحفظ هذه الموقعية. بالمقابل فان التقدير الخارجي الخاطئ المنافق يصبح وسيطا في صياغة القناعة الداخلية المضللة. ومع تكرار ذلك، تتقدّم الانطباعات على الحقائق، وتُستبدل معايير القيمة الواقعية بمعايير أفق القبول لدى الناس. هنا تصبح النسبية هي الحاكمة التامة, فلا حق مطلق ولا باطل متفق عليه, بل الحق والباطل هو ما يحدده الشخص الفقاعي نفسه. في هذا السياق، لا يعود السؤال عن منهج الصواب حاضرًا بالدرجة نفسها التي يحضر بها التساؤل عن أهمية الحفاظ على لمعان الصورة الوجاهية اللامعة للفقاعي.
فقاعة الوجاهة تتألف عبر تراكم سلوكي وفكري خاطئ مرده الى الظروف المحيطة التي صنعت من اللاشخصية نوعية محظوظة مشهورة محترمة. يبدأ الأمر باختيار الكمبارسيون المصفقون، ومن ثم يقوم الفقاعي بالابتعاد عن البيئات المزعجة المحرجة، ثم ينتهي الى تطبيع التفسير الاحادي للأحداث ونقض وتسخيف ما يخالفه من اراء. هذا المسار يُنتج محيطًا بلون واحد فقط مهمته ان يعيد تأكيد القناعة نفسها باستمرار، فيترسخ الشعور “للفقاعي” بالاطمئنان لجوانحه حيث أصبحت الفكرة في نظره صائبة، والبيئة المعرفية حوله متجانسة. ومع هذا التجانس، يضعف بل يتلاشى الاحتكاك مع أي رأي معارض، ويتآكل معيار مراجعة النفس, وكأن دور الحضور انحسر فقط في المصادقة والتبصيم.
ومع ترسخ الفقاعة في ذهن المخدوع، تتغير وظيفة النقد الذاتي في اللاوعي عند هذا المريض من ضرورة تفعيل النقد الى استئصاله وتحاشيه. عندها ينقلب المسوغ لعملية الملاحظة والمراقبة من كونها أداة تصويب، الى ان تغدو ضربا من التهويل. ويستحيل الدفاع عن لوحة الوجاهة سلوكًا تلقائيًا، تتقدّم فيه الحساسية على التحليل، ويسود الانفعال على التفكير. في هذه المرحلة، نكون قد تعدينا مرحلة مناقشة احتمالية وجود خطا في التخمين الى مستوى متقدم من مقاومة مجرد الظن بذلك. ومع هذا التحول، تصبح الفقاعة آلية حماية نفسية ومعرفية في ذات الوقت, وهي أخطر مراحل السلطنة النفسية.
ان أحد الطرق الامنة للخروج من براثن الفقاعة الشائكة يبدأ من خلال تنشيط مسار المراجعة الآلية للحكم النفسي الداخلي. عد الى ضرورة المسائلة كونها أداة تصحيح، استعمل اسلوب النقد البناء باعتباره ضرورة تقويمية، اخضع اللوحة للواقع بدل أن تخضع الواقع لها. كل ذلك التغيير في المنهجية يتطلب قدرًا من الجرأة والتواضع، ومعلوم ان كلفة الفحص اقل من صعوبة التصحيح. ومن ابى فأن الفقاعة مهما طال عمرها ستبقى هشّة وعرضة للتحطم والتآكل والاندثار. من لم يُراجع صورته بمشيئته، ستفُرض عليه لاحقا بوقائع لا تراعي اعتبارات الوجاهة ولا حسابات الانطباع.