فيزياء الظلم !!

✍️ حسين المحروس
———————
قد يختلف الظلم كما وكيفا مع ما قد يترتب عليه من شر واذى على الجانبين الشخصي والمجتمعي وفقا لشدته وتأثيره واتساع أفقه وشموليته. ولأننا نؤمن باليوم الاخر, فنحن على يقين بان الله سبحانه وتعالى لا يرضى بالظلم, مما يستلزم معاقبة الظالمين بأقسى أنواع العذاب (جزاء وفاقا). نظرا للملازمة بين العقوبتين الدنيوية والاخروية, نريد هنا ان نركز فقط على الحصيلة الدنيوية للظلم من منظور العدسة الفيزيائية المحضة. بينما يلوح في الافق سؤال ملح عما ان كان سيتوجب علينا عقلا ووجدانا التعويل على السنة الكونية (الفيزيائية) العقابية كحصيلة طبيعية حتمية لوقوع الظلم واستفحاله؟
من رؤية فضائية بحتة, لا ينبغي التقليل من تقييم ظاهرة الظلم أو تصنيفها على أنها ضرب من صور الانحراف الأخلاقي العابر أو السلوك الفردي, الموافق لطمسه بالاعتذار أو القابل لاحتوائه بالنسيان. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ يترتب على الظلم علة بنيوية تصيب في مقتل صميم توازن النظام الكوني. نتحدث هنا عن النظام الذي يحكم الوجود الإنساني باسره وبجميع تفاصيله واركانه. بالنظر الى القوانين الفيزيائية, سنكتشف ان العالم لا يتقوم بالسذاجة في حسن النوايا ولا يلتفت الى المجاملات، بقدر ما يستند إلى توازنات دقيقة تحكمها علاقات وقوانين وسنن صارمة لا تمتلك رفاهية عدم الامتثال او الرغبة في التخلف. ان اي اختلال في أحد عناصر هذه المنظومة الكونية لن يبقى محدود الأثر، على العكس فان يده ستطال البنية الكونية برمتها. بهذا المستوى من الوعي والادراك، يلزم على العاقل ان يتحاشى الظلم بل ويخشى جميع اصناف الإساءة للآخرين حتى لا يكون سببا موجبا للعبث بشروط استقرار النظام الوجودي.
نضرب هذا المثال لتوضيح المعنى ولبلورة الفكرة بشيء من الدقة في ذهن القارئ والقارئة الكريمين. الفيزياء الحرارية تؤكد على أن الطاقة لا يمكن حبسها في اتجاه واحد إلى ما لا نهاية. تسري الحرارة من السطح الأشد سخونة الى الابرد، بينما يبحث الضغط عن منفذ حتى ينخفض، ويتحوّل التوتر الميكانيكي إلى انكسار او انبعاج إذا ما طال أمده. هذه ليست صورا لأحكام عشوائية بحتة، لكونها تعميق لفاعلية القوانين الوجودية الحاكمة. وفي نفس الوقت هذه القوانين هي المنظمة للسلوك الفيزيائي الشامل كما هو واضح بالوجدان. يعمل الظلم ضمن المنطق نفسه؛ فهو نتيجة طبيعية لتراكم الطاقة السالبة داخل البنية الاجتماعية الإنسانية. وبما ان الطاقة لا تفنى ولا تتبدد، وإنما تتحوّل وتنتقل داخل تركيبة المجتمع لذلك قد يتأخر ظهور آثارها. وحتى مع فرض تأخر ظهور اثار الظلم سيظل مفعوله محفوظا في نسيج الواقع اللفيفي، ينتظر اللحظة المواتية حتى يبلغ حدّ التحول والانكسار والانفجار.
ومن الأخطاء الشائعة في اللاوعي المسيطر على العقل الجمعي هو الظن بان تأخر العقاب للظالم وعدم سرعة الانتقام منه مرده الى الرضا بما يقوم به او الى ضعف المنتقم وعجزه او الى غياب سلطة القانون مما يفضي الى تقبل الناس للظلم وتعايشهم وركونهم اليه. وفي طيات هكذا اعتقاد يكمن الخلط المتعمد بين معضلة غياب القانون وحكمة تأخير القصاص. اما الفيزياء فلها راي اخر, حيث أن أكثر القوانين فاعلية هي تلك التي تعمل بصمت ودقة ودوام من غير هرولة ولا تأجيل. الا ترى قوة الجاذبية؟ فمع كونها عصية على الرصد بالعين البشرية, الا انها لم تتخلف او تتقاعس عن القيام بدورها المركزي في حفظ الكون. كذلك الظلم ان لم يُواجَه لظروف استثنائية مباشرة فور حدوثه، فليس معنى ذلك انه أصبح مهملا منسيا أو أمسى متقبلا في اللاوعي المجتمعي. انه ينتظر بلوغ مرحلة الانكسار الحرجة, لتظهر بصمات الانكار والرفض له. فكما تحافظ الأنظمة الفيزيائية على تماسكها الظاهري رغم تراكم الخلل في بواطنها، كذلك يظل النظام الاجتماعي قائمًا ظاهريا حتى مع استحكام الظلم بانتظار أن يصل إلى نقطة يصبح فيها الانهيار المجتمعي سنة حتمية، دونما أدنى حاجة إلى الاستعانة بسبب خارجي.
على طبق هذا النسق والسياق، يتنقل التعبير القرآني من مجرد سرد التحذير الأخلاقي الى توصيفه كسنّة كونية ثابتة ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ فهي دائما تنتظر المصير نفسه بدون تخلف عن عين المنوال والنمط الكوني (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا). لاحظ ان كلا الآيتين الكريمتين تركزان على الاستمرارية والإصرار على الظلم ولا تتحدثان عن فعل عابر قصير الأمد محدود الأثر. حالة ظلم مستقرة يتحوّل فيها من وضعية الممارسات المتقطعة إلى تركيبة وركيزة قائمة متأصلة، ومن انحراف فردي إلى نظام شمولي. عندها تضمن الآية حتمية التطبيق الحرفي للسنن الكونية الفيزيائية, كما تتجلى النتيجة الواقعية الصارخة المتمثلة في الانهيار كمآل لا مفر منها. تماما على غرار وخطى ما يتوقعه الفيزيائي من الانهيار الفطري للمادة إذا ما تجاوزت حدود مرونتها فأضحت ضعيفة وباتت هشّة، مهما بدا له من ظاهر سطحها انها لا تزال صلبة متماسكة.
ومما يثير الشفقة ان الظالم قد يتوهّم أنه يسيطر مادام يستحوذ على أدوات القوة، غير أن هذا الوهم يتغافل عن حقيقة أساسية. أن القوة لا تعمل خارج القانون، بل تنفعل وتتفاعل في دواخله. في الفيزياء لا تستطيع القوة ان تُلغي نفس القانون، لكن قد يسمح لها الظرف بان تستكشف أثر القانون وبصمته. ومن كان يعتقد أنه فوق القانون، سيكون بالرغم منه من أوائل الذين يخضعون لنتائجه. صبر الله سبحانه وتعالى على الظالم ليس غفلة منه, لان الغفلة تناقض العلم، أما الإمهال فصورة من الاستدراج، حيث يعمل الزمن وسيطًا فيسمح بتراكم الاخطاء ريثما تستكمل شروط الانتقام الالهي ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
ختاما, تكشف فيزياء الظلم حقيقة قد تبدو صادمة للبعض وهي أن النظام الكوني لا ينتظر أحدا حتى يصحّح المسار. مع ان التعبير عن رفض الظلم ضروري, ولكن ان لم يتمكن المظلوم من ذلك, فيكفي أن يترك الاختلال برهة من الزمن حتى يتراكم وتصبح استمرارية النظام مستحيلة. فالاعتقاد بدوام وديمومة الظلم يشبه الاقتناع بأن جسمًا معلقًا في الفراغ لن يسقط ابدا, فقط لمجرد أنه لم يحن بعد ظرفه الزمكاني ليهوي. القوانين لا تتعطَّل بالرغم من تناوب الازمان، ولا تُبطلها القدرة المؤقتة على الاحتمال، بل إن الزمن نفسه – على المدى البعيد – يعمل في نفس اتجاه القانون وصيرورته.