مقالات

كبار السن … من الجمود إلى الحياة

رضي منصور العسيف

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن البركة في أكابرنا فمن لم يرحم صغيرنا ويجل كبيرنا فليس منا. (1)

كبار السن هم دائمًا شمعة العائلة، هم فاكهة حياتنا، وهم الخير والبركة الباقية من الزمن الجميل، ومع هذا فإننا نغفل عنهم بسبب انشغالات الحياة، وقد تتحول علاقتنا معهم إلى (الجفاف، الهجران، …)!!.
أكتب هذه الكلمات لشعوري بالتقصير تجاه هذه الفئة، وأذكر نفسي بأننا نمتلك شموعًا علينا الاقتراب منهم واستشعار دفء قلوبهم وحنان أيديهم قبل أن ينطفئ سراجهم …فمهما كان عمر الإنسان فهو قادر على العطاء حين يجد من يبعث فيه الحياة.
ولعل النقاط التالية تكون تحفيزًا لنا لإعادة العلاقات المنقطعة مع كبار السن والاستفادة من قدراتهم، وإعادة الحياة لهم:

التوقير والإجلال
كبير السن ليس شخصية هامشية في المنزل، بل له موقعيته في الأسرة، ولذلك لا يحق بأي شكل من الأشكال إهماله وعدم الالتفات إلى متطلباته وحاجاته النفسية والاجتماعية والجسدية.
كبير السن يحتاج إلى رعاية خاصة يعبر عنها الإسلام بـ(الإجلال) والاحترام وقد وردت عدة أحاديث في هذا الجانب حيث جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنه قال: (من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (عظموا كباركم وصلوا أرحامكم ). وعنه (عليه السلام): (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا)(2).
ومن صور التوقير والإجلال : حسن الانصات والاستماع، والتحدث معه بصوت مسموع وبكلمات بسيطة تسهل عليه فهمها، والابتعاد عن تلك الكلمات الجارحة يقول تعالى: ” فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا “الإسراء آية 23 وفي دعاء الإمام زين العابدين لأبويه يقول (عليه السلام) : “اللَّهُمَّ خَفِّضْ لَهُمَا صَوْتِي، وَأَطِبْ لَهُمَا كَلاَمِي،” إضافة إلى التعامل معهم بلين ورقة وبأعلى درجات التواضع.

أجواء عبادية
مهما تقدم عمر الإنسان إلا أن هذا التقدم لا يعني التوقف عن العطاء، ولا يعني التقاعد من الحياة، بل هي مرحلة من مراحل العمر يمكن أن تستثمر في مجالات عديدة فعلى الصعيد العبادي هي مرحلة التفرغ للعبادة وفعل الخيرات والصالحات بالكيفية المناسبة. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ” طوبى لمن طال عمره وحسن عمله فحسن منقلبه إذ رضي عنه ربه، وويل لمن طال عمره وساء عمله وساء منقلبه إذ سخط عليه ربه ” (3).وهذا يتطلب منا توفير أجواء عبادية تساعد كبار السن على تأدية الصلوات وغيرها من العبادات.

مستشار ومصلح أسري
كبير السن عاصر الكثير من التجارب الحياتية، وذاق حلو الحياة ومرها، وحصل على الكثير من دروس الحياة، وبهذا فلديه خبرة في فهم تقلبات الحياة ومشاكلها، وقد أظهرت دراسة جديدة أن كبار السن هم أكثر حكمة وأن الذين يبلغون من العمر أكثر من 55 سنة يستعملون دماغهم بشكل أنجع، بالمقارنة مع الشباب. وهذا ما ذكره الإمام علي (عليه السلام) بقوله: ” رأي الشيخ أحب إلي من حيلة الشباب ” (4).
لذا لابد من استثمار هذه التجربة في استشارتهم والأخذ برأيهم في حل المشاكل الأسرية وإصلاح ذات البين إن وجدت.

المسن والعمل التطوعي
من الطبيعي القول إن المسن طاقة وثروة اجتماعية، ينبغي الاستفادة منها بما يناسب الظروف الراهنة، كالمشاركة في بعض الأعمال التطوعية(5).
حيث أن للعمل التطوعي فوائده الصحية والنفسية والاجتماعية والبدنية لكبار السن. فهناك علاقة إيجابية كبيرة بين التطوع ورضا الحياة والصحة. كما يوفر هوية ذاتية إيجابية للشخصية ودور اجتماعي وإنتاجي، ويساعدهم في الحفاظ على الإحساس بالهدف.
لذلك لابد من التفكير في دمج كبار السن بالعمل التطوعي واللجان الخيرية والمؤسسات الخدمية، ويمكن لكبير السن أن يكون عضوًا داعمًا للعمل التطوعي دعمًا ماليًا أو فكريًا.

أخيرًا: تذكروا أن كبير السن هو بركة حافظوا عليها ولا تحرموا أنفسكم من الاستفادة منه.

الهوامش:
1 ) : الخير والبركة في الكتاب والسنة – محمد الريشهري – الصفحة ٢٥٢
2 ) : ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٥٣٥
3 ) : ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢١١٧
4 ) : ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٠٢٦
5 ) : الإسلام ورعاية المسنين (3) ، محمد محفوظ ، جريدة الرياض ، الثلاثاء 17 ربيع الأول 1429هـ – 25 مارس 2008م – العدد 14519

اترك تعليقاً

نص التعليق

زر الذهاب إلى الأعلى