مقالات

ماذا يعني أن يقرأ الإنسان ألف كتاب؟


✍️ زكريا أبو سرير
قد يظن بعض الناس أن قراءة ألف كتاب إنجاز ثقافي يُقاس بعدد الصفحات التي طواها القارئ، أو بالعناوين التي أضافها إلى مكتبته، أو بالمعلومات التي اختزنها في ذاكرته. لكن السؤال الأعمق الذي يستحق التأمل هو: ماذا تعني قراءة ألف كتاب للإنسان؟ وهل تكفي كثرة القراءة لصناعة عقل واعٍ وشخصية ناضجة، أم أن القيمة الحقيقية تكمن فيما تُحدثه القراءة من تغيير في الفكر والسلوك ونظرتنا إلى الحياة والآخرين؟
إن القراءة ليست مجرد هواية لتمضية الوقت، ولا نشاطاً ثقافياً يُمارَس للتفاخر أمام الآخرين، بل هي رحلة متجددة في عوالم المعرفة، ونافذة نطل منها على تجارب البشر وأفكارهم، ووسيلة نكتشف من خلالها حقائق جديدة، ونراجع ما نحمله من قناعات، ونقترب من فهم الحياة فهماً أعمق وأكثر اتزاناً.
ولعل أعظم ما يكشف مكانة العلم والقراءة في حياة الإنسان أن أول ما نزل من الوحي الإلهي على رسول الله صلى الله عليه وآله كان أمراً بالقراءة، في قوله تعالى:
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (سورة العلق: 1-3).
إنها دعوة إلهية إلى المعرفة، ولفتة عظيمة إلى مكانة العلم في بناء الإنسان وارتقاء وعيه. فالإنسان لا يبلغ كماله الفكري بمجرد امتلاكه عقلاً، بل يحتاج إلى تغذية هذا العقل بالعلم، وصقل قدراته بالتأمل، وتوسيع مداركه بالاطلاع والتجربة. فالعقل نعمة عظيمة، والقراءة من الوسائل التي تعينه على تنمية هذه النعمة واستثمارها فيما ينفعه وينفع مجتمعه.
ومن هنا، فإن قراءة ألف كتاب لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها رقماً كبيراً فحسب، بل باعتبارها فرصة واسعة للتعلم والنضج، بشرط أن تكون قراءة واعية، متنوعة، قائمة على الفهم والتدبر، لا على مجرد جمع العناوين وتكديس المعلومات.
ألف كتاب.. رحلة في عوالم المعرفة
بدأت فكرة هذا المقال خلال جلسة ثقافية هادئة جمعتني ببعض الأصدقاء المثقفين والمهتمين بالقراءة، في أجواء جميلة، احتضنتها أحاديث الفكر والثقافة، وما صاحبها من شاي ومكسرات. وخلال ذلك النقاش، طُرح سؤال استوقفني وأثار لديّ مساحة واسعة من التأمل: ماذا تعني لي قراءة ألف كتاب؟
إنه سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً فكرية وثقافية وإنسانية عميقة؛ لأن الإجابة عنه لا تتعلق بعدد الكتب وحده، بل بما تتركه هذه الكتب في عقل القارئ ووجدانه وسلوكه.
فمن الناحية المعرفية، تعني قراءة ألف كتاب الاطلاع على حصيلة واسعة من أفكار الآخرين وتجاربهم وخبراتهم، والتعرف على جوانب متعددة من التاريخ والعلوم والفلسفة والأدب والمجتمع والدين، بحسب تنوع الكتب وجودتها. وهي تتيح للقارئ أن يستفيد من تجارب عاشها الآخرون، وأن يتعلم من نجاحاتهم وإخفاقاتهم، من دون أن يضطر إلى خوض كل تلك التجارب بنفسه.
فالإنسان، مهما امتد به العمر، لا يستطيع أن يعيش جميع التجارب الإنسانية، ولا أن يشهد كل ما مرّت به البشرية من أحداث وتحولات. غير أنه يستطيع، من خلال القراءة الواعية، أن يقترب من تلك التجارب، ويفهم ظروفها، ويستخلص منها الدروس والعبر.
وبهذا المعنى، تختصر القراءة على الإنسان شيئاً من المسافات الزمنية والتجارب الحياتية، وتمنحه فرصة للتعلم من عقول سبقته، وأمم عاشت قبله، وأحداث قد لا يشهد مثلها في حياته. لكنها لا تمنحه بالضرورة خبرة من عاش تلك التجارب بنفسه، بل تزوده بمعرفة تساعده على فهمها والاستفادة منها.
حين تصبح القراءة سجناً للأفكار!
غير أن هناك مسألة بالغة الأهمية ينبغي الوقوف عندها: هل تكفي قراءة ألف كتاب لكي يصبح الإنسان أكثر وعياً وانفتاحاً ونضجاً؟
الجواب: ليس بالضرورة!
فقد يقرأ الإنسان ألف كتاب، لكنه يختارها جميعاً من الاتجاه الفكري نفسه، بحيث لا يجد فيها إلا ما يؤيد قناعاته السابقة، ويعزز آراءه ومواقفه، ويكرر ما يؤمن به. وفي هذه الحالة، قد تتحول القراءة من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لترسيخ القناعات القديمة، حتى لو كانت بعض تلك القناعات بحاجة إلى مراجعة أو تصحيح.
إن القارئ الذي لا يبحث إلا عما يؤيد رأيه، ولا يمنح نفسه فرصة الاطلاع على الآراء المختلفة ومناقشتها، قد يجد نفسه أسير دائرة فكرية مغلقة، مهما اتسعت مكتبته وكثر عدد الكتب التي قرأها.
أما القارئ الواعي، فهو الذي يمتلك الشجاعة الفكرية لمراجعة أفكاره، والاستعداد للاعتراف بالخطأ، وتغيير موقفه متى ظهرت أمامه أدلة أقوى وحجج أكثر إقناعاً. ولا ينبغي له أن يرى في التراجع عن رأي ثبت خطؤه هزيمة أو انتقاصاً من مكانته، بل أن يعدّ ذلك انتصاراً للحقيقة على التعصب، وللعقل على المكابرة.
فليس من الحكمة أن يتمسك الإنسان بفكرة لمجرد أنه آمن بها سنوات طويلة، أو دافع عنها أمام الآخرين، أو ارتبطت في ذهنه بشخصية يحترمها. فالحقيقة لا تتغير لأننا اعتدنا رأياً معيناً، والصواب لا يصبح خطأ لمجرد أنه يخالف ما ألفناه.
ومن هنا، فإن من أعظم ثمار القراءة أن تمنحنا القدرة على إعادة النظر في أفكارنا، وأن نتعلم كيف نفرّق بين قناعاتنا الشخصية والحقائق التي تؤيدها الأدلة والبراهين.
القراءة وصناعة العقل الناقد
ومن الناحية الفكرية، تساعد القراءة المتنوعة على تنمية التفكير النقدي، وتعويد العقل على المقارنة والتحليل، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الدليل والادعاء، وبين المعلومة الصحيحة والمعلومة التي تحتاج إلى التثبت والتحقق.
فليس كل ما نقرؤه صحيحاً، ولا كل ما يكتبه المؤلفون حقيقة ثابتة، ولا كل فكرة تنتشر بين الناس جديرة بالتصديق. فالكتب، شأنها شأن سائر مصادر المعرفة، تتفاوت في جودتها ودقتها ومناهجها، وقد يتضمن بعضها أخطاءً أو تحيزات أو استنتاجات لا تسندها أدلة كافية.
ولذلك، لا ينبغي للقارئ أن يكون متلقياً سلبياً لكل ما تقع عليه عيناه، بل عليه أن يسأل ويفحص ويقارن، وأن يبحث عن مصادر المعرفة الموثوقة، وأن يميز بين ما ثبت بالدليل وما لا يزال موضع نقاش.
وهنا تظهر أهمية التنوع في القراءة؛ فحين يطّلع الإنسان على مدارس فكرية متعددة، ويتعرف على آراء مختلفة في القضية الواحدة، تتسع زاوية نظره، ويصبح أكثر قدرة على فهم أسباب الاختلاف، وأقل اندفاعاً نحو إصدار الأحكام المتسرعة.
وليس المقصود بالتنوع أن يتخلى الإنسان عن مبادئه أو أن يقبل كل رأي يقرؤه، وإنما أن يمنح عقله فرصة الفهم والفحص، وألا يجعل اختلاف الفكرة مع قناعاته سبباً كافياً لرفضها قبل دراستها.
بين القراءة الواعية والقراءة السطحية
إذا كانت القراءة وسيلة لاكتساب المعرفة وتنمية الفكر، فإن أثرها يختلف باختلاف الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ما يقرأ. فليست كل قراءة قراءة واعية، وليس كل من أنهى كتاباً قد استوعب أفكاره أو أدرك أبعاده أو أحسن الانتفاع بما ورد فيه.

فالقراءة الواعية لا تقف عند حدود المرور على الكلمات والعبارات، ولا تكتفي بجمع المعلومات وتخزينها في الذاكرة، بل تتجاوز ذلك إلى الفهم والتحليل والتأمل والمقارنة، ومحاولة إدراك المقاصد والأفكار التي يريد الكاتب إيصالها.
فالقارئ الواعي يسأل نفسه: ماذا يريد هذا الكتاب أن يقول؟ وما الأدلة التي يستند إليها؟ وهل تتفق أفكاره مع الحقائق الموثوقة؟ وما الجوانب التي يمكنني الاستفادة منها في حياتي؟ وهل توجد آراء أخرى تستحق البحث والمناقشة؟
أما القراءة السطحية، فهي التي يمر فيها الإنسان على صفحات الكتاب دون أن يمنح أفكاره الوقت الكافي للفهم والتأمل، فينتهي منه وقد يتذكر بعض العناوين والمعلومات، لكنه لا يستطيع الربط بينها، أو مناقشة أدلتها، أو توظيفها في حياته. وقد يقرأ عشرات الكتب، بل مئاتها، دون أن تتجاوز حصيلته المعرفية حدود المعلومات المتفرقة التي يصعب تحويلها إلى فهم متماسك أو رؤية ناضجة.
وهنا يتضح الفرق بين قارئ يجمع المعلومات، وقارئ يبني المعرفة؛ فالأول قد تزداد المعلومات التي يحفظها، بينما يزداد الثاني قدرة على الفهم والتمييز والاستنتاج. وليس المقصود أن القراءة السريعة أو تصفح الكتب لا فائدة منهما مطلقاً، بل إن لكل أسلوب غايته، غير أن الكتب العميقة والأفكار المركبة تحتاج إلى قراءة متأنية ومراجعة، وربما إعادة قراءة أكثر من مرة، حتى تتضح معانيها وتترابط أفكارها.
ومن المهم كذلك أن ندرك أن القراءة الواعية لا تعني أن نوافق كل ما نقرؤه، ولا أن نرفضه لمجرد مخالفته لقناعاتنا، وإنما أن نمنحه حقه من الفهم والفحص، ثم نقبله أو نرفضه بناءً على الدليل والحجة. فالقارئ الواعي لا يبحث عن الكلمات التي ترضي أفكاره فحسب، بل يسعى إلى المعرفة التي توسع مداركه، حتى لو قادته إلى مراجعة قناعة قديمة ظل متمسكاً بها سنوات طويلة.
ولذلك، فإن قراءة كتاب واحد بوعي وتدبر قد تكون أنفع للإنسان من قراءة كتب كثيرة دون فهم عميق، ليس لأن عدد الكتب لا قيمة له، بل لأن المعرفة لا تكتمل بمجرد تلقي المعلومات، وإنما تحتاج إلى عقل يتأملها، ويميز صحيحها من خطئها، ويربطها بغيرها، ويستخلص منها ما ينفعه.
إن القراءة الواعية هي التي تجعل الكتاب حواراً بين عقل القارئ وعقل الكاتب، وتجعل المعرفة بداية للأسئلة الجديدة، لا نهاية للتفكير. وهي التي تساعد الإنسان على بناء موقفه باستقلالية، بعيداً عن التقليد الأعمى أو الانقياد وراء الشهرة والمكانة الاجتماعية والفكرية.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق مشروع قراءة ألف كتاب ليس: كم صفحة أنهيت اليوم؟ أو كم كتاباً أضفت إلى قائمتك؟ بل: ماذا فهمت مما قرأت؟ وما الفكرة التي أصبحت تراها بوضوح أكبر؟ وما المعلومة التي تحققت من صحتها؟ وما القناعة التي راجعتها؟ وما الأثر الذي تركته القراءة في فكرك وسلوكك؟
فحين تتحول القراءة من مجرد استهلاك للكلمات إلى ممارسة واعية للفهم والتفكير، تصبح الكتب أكثر من أوعية للمعلومات؛ تصبح أدوات لبناء العقل، وتهذيب النفس، وتوسيع آفاق الإنسان، وتعينه على اتخاذ قرارات أكثر حكمة واتزاناً.
القراءة تهذيب للنفس وفهم للآخرين
أما من الناحية النفسية والإنسانية، فإن القراءة تفتح أمام الإنسان نوافذ واسعة للاطلاع على تجارب الآخرين ومشاعرهم ومعاناتهم، وتساعده على فهم اختلاف الطبائع والظروف والبيئات التي تشكّل شخصيات البشر ومواقفهم.
فحين نقرأ عن تجارب الناس، وما مرّوا به من نجاحات وإخفاقات، وأفراح وأحزان، وصراعات وتحديات، نتعلم أن الحياة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه من الخارج، وأن الحكم على الآخرين لا ينبغي أن يصدر من موقف عابر أو انطباع سريع.
وقد تساعدنا القراءة على إدراك أن لكل إنسان تجربته الخاصة، وأن اختلاف الآراء لا يعني بالضرورة سوء النية، وأن الاختلاف في الدين أو المعتقد أو الفكر لا يسقط عن الآخرين حقهم في الاحترام والإنصاف وحسن التعامل.
كما تمنحنا القراءة فرصة للتحرر من التأثر الأعمى بمكانة الأشخاص ومواقعهم الاجتماعية أو المالية، فلا نتبنى فكرة لمجرد أن صاحبها مشهور، أو قريب منا، أو صاحب منصب، أو يحظى بمكانة علمية واجتماعية. فمكانة الإنسان لا تجعل كل ما يقوله صحيحاً، كما أن بساطة صاحبه أو محدودية شهرته لا تجعل فكرته خاطئة.
وهنا تتجلى إحدى أهم ثمار الثقافة الحقيقية: أن يصبح الإنسان أكثر تواضعاً، وأوسع صدراً للاختلاف، وأقدر على الاستماع إلى الآخرين وفهمهم، وأقل ميلاً إلى التعصب والانفعال والتسرع في إصدار الأحكام.
فالقراءة التي لا تزيد الإنسان إنصافاً ورحمة وتواضعاً، ولا تساعده على فهم نفسه والآخرين، قد تكون قد أضافت إلى ذاكرته معلومات كثيرة، لكنها لم تستثمر كل إمكاناتها في بناء شخصيته الإنسانية.
حين تتجاوز القراءة صفحات الكتاب إلى واقع الحياة
ومع كل هذه الفوائد، تبقى هناك نقطة جوهرية ينبغي ألا تغيب عن القارئ: إن قيمة القراءة لا تُقاس بعدد الكتب وحده، ولا بضخامة عناوينها، ولا بشهرة مؤلفيها، وإنما بما تتركه من أثر في عقل الإنسان وأخلاقه وسلوكه وقراراته.
فقد يقرأ إنسان ألف كتاب، ثم لا يتغير في تعامله مع الناس، ولا تتسع نظرته للحياة، ولا يراجع موقفاً ثبت خطؤه، ولا يتعلم كيف يضبط انفعالاته أو ينصف من يختلف معه. وفي المقابل، قد يقرأ آخر كتاباً واحداً، فيجد فيه فكرة توقظ عقله، أو حقيقة تعيد ترتيب أولوياته، أو تجربة تدفعه إلى تغيير مسار حياته تغييراً جذرياً.
وهذا لا يقلل من قيمة قراءة ألف كتاب، بل يؤكد أن القراءة ينبغي أن تقترن بالتأمل والفهم والتطبيق؛ فالمعرفة التي لا تجد طريقها إلى الحياة قد تبقى معلومات متراكمة لا تؤدي دورها الكامل في بناء الإنسان.
وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، في كتاب الكافي للشيخ الكليني، ضمن باب استعمال العلم: «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه».
وتؤكد هذه الرواية الصلة الوثيقة بين العلم والعمل؛ فالمعرفة ينبغي أن يكون لها أثر في حياة الإنسان، وأن تدفعه نحو السلوك الأفضل، وتعينه على اتخاذ القرارات السليمة، وتجعله أكثر التزاماً بما عرفه من الحق والخير.
فإذا قرأنا عن الصدق، وجب أن نراجع صدقنا في أقوالنا وأعمالنا. وإذا قرأنا عن العدل، وجب أن نختبر مدى إنصافنا للآخرين. وإذا قرأنا عن التسامح، وجب أن نتأمل قدرتنا على العفو وضبط الغضب. وإذا قرأنا عن التواضع، وجب أن نراجع تعاملنا مع من هم أقل منا مكانة أو مالاً أو علماً.
عندها تتحول القراءة من كلمات على الورق إلى قيم حية تسهم في بناء الشخصية، وتترك بصمتها في الأسرة والمجتمع.
القراءة والعلم.. طريق لا ينتهي
ومن الجميل أن نتأمل في التوجيه الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وآله، حين قال سبحانه وتعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (سورة طه: 114).
إن هذا الدعاء القرآني يفتح أمام الإنسان أفقاً واسعاً؛ فطلب العلم ليس مرحلة تنتهي عند الحصول على شهادة، أو بلوغ منصب، أو قراءة عدد محدد من الكتب، بل هو مسيرة مستمرة ما دام الإنسان قادراً على التعلم والتأمل والاستفادة من تجارب الحياة.
ومهما بلغت حصيلتنا المعرفية، تبقى هناك حقائق لم نكتشفها، وعلوم لم نتعلمها، وتجارب لم نفهم أبعادها بعد. وكلما اتسعت معرفتنا، أدركنا أن ما نجهله قد يكون أوسع مما نعرفه، وأن التواضع أمام العلم علامة على نضج العقل، لا على ضعفه.
ومن هنا، فإن مشروع قراءة ألف كتاب يمكن أن يكون هدفاً ثقافياً نافعاً لكل قارئ وكاتب ومثقف، بشرط ألا يتحول إلى سباق في الأرقام، أو وسيلة للمباهاة والتفاخر، بل إلى خطة واعية لبناء المعرفة، وتنويع مصادرها، وتطوير القدرة على التفكير والتحليل، وربط ما نقرؤه بواقعنا واحتياجاتنا.
فالأهم ليس أن ننهي ألف كتاب في أقصر مدة ممكنة، وإنما أن نمنح كل كتاب حقه من الفهم والتأمل، وأن نخرج من قراءتنا بفكرة جديدة، أو معرفة نافعة، أو سؤال يستحق البحث، أو سلوك يحتاج إلى مراجعة وتطوير.
مكتبة عامرة بالكتب.. وعقل ينتظر القراءة!
وهناك ظاهرة تستحق الإشارة والتأمل، وهي أن بعض الناس يحرصون على اقتناء الكتب المتنوعة، ويجمعون أعداداً كبيرة منها في منازلهم، ويرتبونها على رفوف أنيقة وفي أماكن جميلة، حتى تبدو المكتبة جزءاً من المشهد الثقافي في المنزل، لكنهم لا يمنحون تلك الكتب ما تستحقه من القراءة والبحث والتأمل.
ولا شك أن اقتناء الكتب في ذاته أمر حسن، وقد يكون بداية لمشروع ثقافي نافع، غير أن الغاية الأسمى ليست امتلاك الكتاب، بل الانتفاع بما يحمله من معرفة.
فالمكتبة التي لا تُقرأ كتبها تظل مخزوناً من الإمكانات المعرفية المؤجلة، والكتاب الذي لم نفتحه بعد لم يمنحنا فرصة الاستفادة مما يتضمنه من أفكار. أما حين نقرأ ونتأمل ونناقش، فإن الكتب تبدأ في أداء رسالتها الحقيقية، وتتحول من أشياء نقتنيها إلى مصادر تغذي عقولنا وتثري حياتنا.
وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى طلب المزيد من العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهو توجيه يذكرنا بأن المعرفة تستحق أن تكون جزءاً أصيلاً من حياتنا اليومية، لا مجرد مظهر نحرص على إظهاره أمام الآخرين.
ولذلك، فإن من الجميل أن يضع الإنسان لنفسه برنامجاً للقراءة يتناسب مع وقته وقدراته، وأن ينوّع بين الكتب التي توسع معرفته، وتلك التي تعمق فهمه، وأخرى تساعده على تطوير نفسه وتحسين علاقاته بالآخرين. والأجمل من ذلك أن يجعل القراءة عادة مستمرة، لا نشاطاً موسمياً ينقطع بانشغاله أو فتور حماسه.
ما اود قوله، ليست العبرة بألف كتاب، بل بما تصنعه الألف فينا
بعد هذه الرحلة الفكرية، نعود إلى السؤال الذي انطلقت منه المقالة: ماذا يعني أن يقرأ الإنسان ألف كتاب؟
إنه يعني، في أفضل صوره، أن يمنح نفسه فرصة واسعة للتعلم من تجارب الآخرين، وأن يوسع مداركه، وينمي قدرته على التفكير والتحليل، ويعيد النظر في أفكاره كلما ظهرت له أدلة تستحق المراجعة، وأن يصبح أكثر فهماً للحياة والناس، وأكثر وعياً في اتخاذ قراراته.
لكن ذلك كله لا يتحقق بمجرد بلوغ الرقم ألف؛ فالكتب تختلف في موضوعاتها وجودتها وعمقها، والقراء يتفاوتون في طرائق الفهم والتأمل والاستفادة. لذلك، لا ينبغي أن نجعل عدد الكتب مقياساً وحيداً لثقافة الإنسان، ولا أن نربط قيمة القارئ بكمية ما قرأه دون النظر إلى نوعية قراءته وأثرها في حياته.
فليست العبرة أن تقرأ ألف كتاب، بل أن تمنح الكتب ألف فرصة لتوسيع عقلك، وتهذيب أخلاقك، وتصحيح أفكارك، وتعميق فهمك للحياة.
اقرأ لكي تعرف، وتدبر لكي تفهم، وناقش لكي تتحقق، وطبّق لكي تنتفع. واجعل من القراءة جسراً يصل بين المعرفة والعمل، وبين العقل والأخلاق، وبين الإيمان والبصيرة.
واجعل غايتك أن تخرج من كل كتاب بشيء ينفعك، وأن تكون بعد قراءته أكثر وعياً وإنصافاً وتواضعاً مما كنت قبله.
فقد يختصر الكتاب على الإنسان سنوات من البحث والتجربة، وقد يفتح أمامه باباً لم يكن يراه، وقد يغير فكرة ظل متمسكاً بها زمناً طويلاً. غير أن الأثر الأجمل هو أن تتحول المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى أثر طيب يبقى في حياة الإنسان ومن حوله.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم الذي ينبغي لكل قارئ أن يطرحه على نفسه بعد كل رحلة قراءة: ليس السؤال الأهم كم كتاباً قرأت، بل: كم فكرة فهمت، وكم قناعة راجعت، وكم خُلُقاً حسّنت، وكم خطوة خطوت نحو أن تكون إنساناً أفضل؟
فذلك هو المعنى الأعمق للقراءة، وتلك هي الثمرة التي تستحق أن نسعى إليها في رحلة العلم والمعرفة.
والله سبحانه وتعالى نسأل أن يفتح لنا أبواب العلم النافع، وأن يرزقنا بصيرة نهتدي بها إلى الحق، وعملاً صالحاً ننتفع به وننفع الآخرين، إنه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

نص التعليق

زر الذهاب إلى الأعلى