مقالات

📖 بين الإنجاز للحياة والاستعداد للموت

✍🏻 تركي العجيان

نأتي إلى هذه الدنيا وبين جوانحنا أحلامٌ صغيرة. ثم نكبر، وتكبر معنا تلك الأحلام، حتى تستولي على مجمل تفكيرنا، فنمضي في حياتنا ونكرّس جهودنا لتحقيقها. وما إن نبلغ حُلمًا حتى يلوح في الأفق حُلمٌ آخر، فلا تكاد أحلامنا تنتهي، وكأننا باقون في هذه الدنيا، وكأن الدنيا باقيةٌ لنا، وكأن قائمة الأحلام ليس لها نهاية.

ولعل هذه الحقيقة قد عبّر عنها الإمام الحسن العسكري “عليه السلام” في أبياتٍ نُسبت إليه، يقول فيها:

أرى الدنيا تجهَّزَ بانطلاقٍ مشمِّرةً على قدمٍ وساقِ
فلا الدنيا بباقيةٍ لحيٍّ ولا حيٌّ على الدنيا بباقِ

وفي خضم هذا السعي الحثيث، والانشغال الدائم، والانغماس الشديد في تحقيق تلك الأحلام، نقف عاجزين أمام سؤالٍ طالما حيّر أفكارنا. نحاول أن نتجاهله أحيانًا، ثم لا يلبث أن يعود إلينا من جديد، حتى يكاد لا يدع لنا فرصةً لننساه. فالأحداث التي تدور من حولنا لا تنفك تذكّرنا به؛ خبرُ وفاة، أو جنازة، أو رحيلُ عزيزٍ على قلوبنا، وكأن الحياة كلها تهمس في أسماعنا بهذا السؤال مرة بعد أخرى.

ومع أن هذا السؤال يطرق أبواب الجميع، إلا أننا نختلف كثيرًا في استجاباتنا الحقيقية له، لا في إجاباتنا المثالية التي يسهل أن ننطق بها.

فلنجرب أن نواجه أنفسنا بهذا السؤال بصيغة المخاطب:

هل أنت مستعدٌّ للموت؟

سؤالٌ يبدو في ظاهره سهلًا يسيرًا، إلا أننا حين نُمعن النظر فيه ونتأمله بصدق، نجد أنفسنا في غاية الارتباك. فالإجابة المثالية قد ينطق بها اللسان بسهولة، أما الاستجابة الواقعية فلا يكشفها إلا ما نعيشه كلَّ يوم.

وليس من الضروري أن نجيب عن هذا السؤال أمام الآخرين، فلا شأن لأحدٍ باستعدادنا للموت من عدمه. وإنما الضروري حقًا أن نتمكن من الإجابة عنه فيما بيننا وبين أنفسنا، حيث لا مجال للمواربة أو الخداع. فإذا لم يكن الإنسان صادقًا مع نفسه في إجابته، فإنه لا يخدع أحدًا بقدر ما يخدع نفسه.

إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال تُمثل محورًا أساسيًا في حياتنا؛ فكلّما كان هذا السؤال حاضرًا في وعينا، استطعنا أن نعيش حياتنا بوعيٍ أكبر، لأن حضوره يذكرنا بحقيقةٍ لا مفر منها، وهي أننا ماضون حتمًا إلى الموت. فالموت لن يطرق أبوابنا مستأذنًا، ولن يمنحنا فرصةً لنستعد عند قدومه، وإنما سيأتي في اللحظة التي كتبها الله سبحانه وتعالى، شئنا أم أبينا.

ومن هنا، فإن التأمل المتكرر في هذا السؤال يدفعنا إلى مراجعة سلوكياتنا، وإعادة النظر في تعاملنا مع الآخرين. فحين يستقر هذا المعنى في أعماقنا، نصبح أبعد عن ظلم الناس، أو انتهاك حقوقهم، أو جرح مشاعرهم، لأن مثل هذه التصرفات لا تنسجم مع إنسان يستحضر حقيقة رحيله في كلِّ حين.

ولعل من أبرز ما ينبغي أن يستوقفنا في هذا المقام حقوق الآخرين، لأنها ليست من الأمور التي يملك الإنسان أن يحسمها بنفسه. فقد يغفر الله سبحانه وتعالى للعبد ما كان بينه وبين ربه إذا صدقت توبته وأخلص في إنابته، أما الحقوق المتعلقة بالناس، فإنها لا تسقط إلا بأدائها إلى أصحابها أو بعفوهم عنها. ولذلك كان الوقوف عند هذا السؤال كفيلًا بأن يدفعنا إلى أن نراقب سلوكنا، ونزن كلماتنا، ونتأمل أفعالنا، قبل أن نلقى الله ونحن نحمل في أعناقنا حقًا لعبد من عباده.

وينبغي ألا يكون إيماننا بحقيقة مغادرتنا الدنيا في أيِّ لحظةٍ دافعًا إلى التشاؤم، وإنما ينبغي أن يعونا إلى مراجعة أنفسنا باستمرار، وأن نجعل تعاملنا مع الناس أكثر عدلًا ورحمةً وإنصافًا، استعدادًا ليومٍ لا ينفع فيه إلا العمل الصالح.

ومن أبلغ النماذج التي تُجسد هذا المعنى ما رُوي عن الإمام علي بن الحسين “عليه السلام”، أنه كان يحمل على ظهره كيسًا من الطعام في ليلة باردة، فرآه الزهري وسأله: إلى أين تمضي يا ابن رسول الله؟ فقال: «أريد سفرًا أُعِدُّ له زادًا». وظنّ الزهري أنه يقصد سفرًا من أسفار الدنيا، فلما مضت الأيام ولم ير لذلك السفر أثرًا، سأله عنه، فقال الإمام “عليه السلام”: «ليس ما ظننت، ولكنه الموت، وله أستعد. إنما الاستعداد للموت تجنّب الحرام، وبذل النّدى في الخير».

وهكذا قدّم الإمام زين العابدين “عليه السلام” صورةً عمليةً لمعنى الاستعداد للموت؛ فلم يكن الاستعداد عنده أمنيةً تُقال، ولا فكرةً تُتداول، وإنما سلوكًا يُترجم إلى عمل، وإحسانًا يُقدَّم للناس، وابتعادًا عن الحرام، ليكون الإنسان على أهبة اللقاء بربه في كلّ لحظة.

ويؤكد هذا المعنى أيضًا ما أوصى به الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام” جنادة بن أبي أمية وهو في مرضه الأخير، إذ قال له: «يا جنادة، استعدَّ لسفرك، وحصِّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه».

إنها كلمات تختصر حقيقة الحياة كلها؛ فالإنسان مهما انشغل بطلب الدنيا، فإن الموت لا يتوقف عن طلبه، ومهما طال به الأمل، فإن الرحيل قد يأتي قبل أن يفرغ من أحلامه ومشاريعه. ولذلك كان الاستعداد الحقيقي أن يُحصِّل الإنسان زاده قبل أن يدركه الأجل، فليس كلّ من خطط للغد يبلغه، وليس كلّ من أمَّل نفسه بسنواتٍ قادمة يُمهَل إليها.

وربما لا يحتاج الاستعداد للموت إلى قائمةٍ طويلةٍ من الوصايا، بقدر ما يحتاج إلى ثلاث حالاتٍ ينبغي أن يعيشها الإنسان باستمرار، يمكن أن تختصرها في كلمة “موت” نفسها.

م: مراجعة.

تبدأ رحلة الاستعداد للموت بمراجعةٍ صادقةٍ للنفس؛ مراجعةٌ لا تقف عند أخطاء الأمس، ولا عند موقفٍ عابر، وإنما تتسع لتشمل تاريخ الإنسان كله؛ ما أنجزه، وما أخطأ فيه، وما ينبغي إصلاحه، وما ينبغي الثبات عليه. فالإنسان الذي يراجع نفسه باستمرار، لا ينتظر أن يفاجئه الموت ليكتشف أن في حياته ما كان يحتاج إلى إصلاحٍ منذ زمن.

ولعل من أروع ما قيل في هذا المعنى ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم “عليه السلام”: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسنًا استزاد الله، وإن عمل سيئًا استغفر الله منه وتاب إليه».

إنها ليست دعوةً إلى جلد الذات، وإنما إلى أن تبقى حياة الإنسان في حالة مراجعةٍ دائمة، حتى لا تتراكم الأخطاء فتصبح جزءًا من شخصيته.

ومن الطبيعي حين يراجع الإنسان نفسه، أن يجد في صحيفة أعماله أخطاءً ارتكبها، أو مواقف كان ينبغي له أن يتصرف فيها بصورةٍ مختلفة. وهنا لا تكون المراجعة مجرّد استحضارٍ لما مضى، وإنما تكون مدخلًا إلى التوبة؛ فيبادر الإنسان إلى إعلان ندمه أمام نفسه، وتراجعه الصادق عن الأخطاء التي ارتكبها، وعزمه على ألّا يعود إليها.

فإذا كانت تلك الأخطاء فيما بينه وبين نفسه، أو فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، أقبل على الله بالتوبة والاستغفار، وسعى إلى إصلاح ما أفسده في ذاته.

أما إذا كانت أخطاؤه متعلقةً بسائر الناس، فإن التوبة لا تكتمل بمجرد الندم الداخلي، بل تتطلب منه أن يصلح ما أفسده في سابقة حياته، وأن يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويعالج ما أحدثه من أذى أو ظلم قدر استطاعته. وهنا يتجلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ “التحريم، 8″؛ فالتوبة النصوح ليست مجرّد كلمةٍ تقال، وإنما هي مراجعةٌ صادقةٌ يعقبها تراجعٌ عن الخطأ، وإصلاحٌ لما يمكن إصلاحه.

و: وعي

إذا كانت المراجعة تكشف للإنسان مواضع الخلل، فإن الوعي يمنحه القدرة على أن يبصر طريقه بعد ذلك. فكلما ارتقى الإنسان وعيًا، ازداد إدراكًا لحقيقة نفسه، والحياة، وما يريده الله تعالى منه. والوعي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقود نفسه، لا أن تقوده أهواؤه أو انفعالاته. ولذلك وصف القرآن الأذن التي تدرك الحق بقوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ “الحاقة، 12”. فالوعي ليس كثرة معلومات، وإنما حضورٌ دائم للحقيقة في داخل الإنسان، حتى تصبح هي التي توجه قراراته وسلوكه.

ت: تأمل

إن التأمل في الموت ليس استدعاءً للخوف، ولا انشغالًا بما بعده، وإنما هو استحضارٌ هادئ لحقيقةٍ لا يغادرها أحد. فمن يتأمل الموت بصدق، ينظر إلى أيامه نظرةً مختلفة، ويزن أعماله بميزانٍ مختلف، ويعيد ترتيب أولوياته دون أن يتوقف عن الحياة أو يعزف عنها. إنه يدرك أن الرحيل آتٍ لا محالة، فيسعى لأن يكون حضوره في الدنيا جديرًا بذلك الرحيل.

أما غير المتأمل، الذي تغيب عنه هذه الحقيقة الأساس، فإنه يعيش في غفلةٍ وسهو، فلا يلتفت إلى حقائق الحياة التي يعيشها، ولا يستحضر تلك السنة الإلهية التي جعلها الله حتمًا على بني البشر، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ “الزمر، 30”.

وفي نهاية المطاف، يبقى الموت حقيقة لا يختلف عليها اثنان، ولا يملك أحدٌ أن يؤخرها أو يتجاوزها. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: متى نموت؟ وإنما: كيف نعيش قبل أن نموت؟

ولعلّ أعظم ما يمنحه التأمل في الموت، أنه لا يدفع الإنسان إلى الانصراف عن الحياة، وإنما يدفعه إلى أن يعيشها بوعيٍ أعمق، ومراجعةٍ أصدق، وتأملٍ لا ينقطع. فكلّ يومٍ يمر من العمر ليس مجرّد اقترابٍ من نهاية الحياة، بل هو أيضًا فرصةٌ جديدة لأن تكون الحياة أكثر اتزانًا، وأكثر أثرًا، وأكثر استحقاقًا لأن تُعاش.
وحينئذٍ، لن يكون الاستعداد للموت انتظارًا لنهاية الطريق، بل سيكون أسلوبًا يعيشه الإنسان كلَّ يوم من حياته.

اترك تعليقاً

نص التعليق

زر الذهاب إلى الأعلى