مقالات

الشخصية المؤثرة في الإعلام والمجتمع.. بين البناء والهدم

✍️ زكريا أبو سرير

————————–

تُعدّ الرغبة في التأثير إحدى الغرائز الكامنة في الإنسان؛ إذ يسعى بطبيعته لأن يكون ذا حضور فاعل في محيطه الأسري والاجتماعي، وأن يترك بصمة تمتد إلى كل ما يرتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذه الخصلة، حين تُوجَّه بصورة واعية، تعكس تميّز الإنسان وقدرته على التطور والتغيير، بخلاف سائر المخلوقات التي لا تدرك معنى التأثير ولا تسعى إليه.

وعند الاقتراب من مفهوم “الشخصية المؤثرة” من منظور علمي، نجد أنها تُعرّف بأنها: الفرد القادر على توجيه أفكار الآخرين وسلوكياتهم، والتأثير في آرائهم واتجاهاتهم، عبر وسائل متعددة، يأتي في مقدمتها الإعلام بمختلف أشكاله. كما يمكن وصفها بأنها شخصية تمتلك كاريزما قيادية، وحضورًا فكريًا واجتماعيًا أو إعلاميًا، يجعل الآخرين يتفاعلون معها، ويستمدون منها مواقفهم وسلوكياتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وقد ارتبط هذا المفهوم في العصر الحديث ارتباطًا وثيقًا بوسائل الإعلام، بدءًا من الإعلام التقليدي كالتلفاز والصحافة، وصولًا إلى الإعلام الجديد المتمثل في منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد التأثير مرهونًا بمنصب رسمي، بل أصبح متاحًا لكل من يمتلك منصة، ومحتوى، وقبولًا جماهيريًا.

غير أن صناعة الشخصية المؤثرة لا تتم بصورة عشوائية، بل تتطلب جهدًا متكاملًا على المستويين الفكري والسلوكي. فالمصداقية تُعدّ الركيزة الأساسية في بناء هذه الشخصية، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يحافظ على تأثيره دون ثقة الجمهور به. ويتحقق ذلك من خلال التوافق بين القول والفعل، والالتزام بالشفافية، والابتعاد عن التضليل. كما أن امتلاك رصيد معرفي وخبرة حقيقية يعزز من مكانة المؤثر، ويجعله مرجعًا يُعتد به.

إلى جانب ذلك، لا بد أن تتمتع الشخصية المؤثرة بمهارات تواصل عالية، تشمل قوة التعبير، والقدرة على الإقناع، ووضوح الطرح، واختيار اللغة المناسبة في الوقت المناسب. ويضاف إلى ذلك الحضور الشخصي أو “الكاريزما”، التي تمثل مزيجًا من الثقة بالنفس، والهدوء، والجاذبية في الطرح، والقدرة على لفت الانتباه.

غير أن هذا الطرح يقودنا إلى تساؤل مهم: هل كل شخصية مؤثرة تُحسن فهم احتياجات الآخرين وتلبيها بوعي وكفاءة؟

الواقع يشير إلى أن بعض الشخصيات، رغم امتلاكها حضورًا ومحتوى وقبولًا جماهيريًا، قد تفتقر إلى فهم عميق لاحتياجات جمهورها، أو إلى إدراك الآثار المستقبلية لما تطرحه من أفكار. وقد لا يلامس محتواها واقع الناس، أو يعجز عن استيعاب تحديات حاضرهم واستشراف مستقبلهم، مما يخلق فجوة بين المؤثر والمتلقي.

بل إن بعض هذه الشخصيات قد لا تدرك حجم التأثير الذي تُحدثه، سواء من حيث الإيجابيات أو السلبيات، فتطرح حلولًا لمشكلات اجتماعية ظنًا منها أنها تعالجها، بينما تسهم – دون قصد – في تعقيدها وزيادة حدّتها. ويزداد الأمر خطورة عندما يُبث هذا المحتوى عبر المنصات الرقمية بشكل واسع، دون مراعاة مستوى فهم المتلقين، أو توضيح كافٍ للأفكار المطروحة، مما قد يؤدي إلى آثار سلبية تمسّ حياتهم بصورة مباشرة.

ومن هنا، قد تتحول الشخصية المؤثرة من عنصر بناء إلى عامل هدم، إذا افتقرت إلى الدراسة الواعية للمحتوى قبل طرحه على الرأي العام، حتى وإن كانت نواياها حسنة. في المقابل، فإن الشخصية المؤثرة الإيجابية هي التي تُسخّر حضورها الإعلامي في خدمة البناء والإصلاح، من خلال نشر القيم الأخلاقية والدينية، وتعزيز الوعي والمعرفة، ودعم قضايا المجتمع، وتوجيه الشباب نحو النجاح، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش. ومثل هذا الدور يسهم في بناء الإنسان واستقرار المجتمع.

ومن المهم التأكيد على أن الشهرة لا تعني بالضرورة التأثير الحقيقي؛ فليس كل مشهور مؤثرًا، بل يُقاس التأثير بما يُقدَّم من قيمة فكرية أو أخلاقية أو ثقافية. كما أن من المعايير الجوهرية للحكم على الشخصية المؤثرة مدى التزامها بالمبادئ التي تنادي بها؛ فالتناقض بين الأقوال والأفعال، والتغير وفق المصالح، لا يبني وعيًا، بل يخلق حالة من التشتت، ويجعل التأثير مؤقتًا مهما طال.

وتبقى الشخصية المؤثرة سلاحًا ذا حدين؛ فقد تكون وسيلة للهداية والبناء إذا أحسنت فهم رسالتها، ووعت أبعاد تأثيرها، وراعت اختلاف مستويات الفهم في المجتمع. وقد تتحول إلى أداة للهدم والانحراف إذا غابت عنها الرؤية، وأُهملت دراسة المحتوى، وغلبت عليها الرغبة في تحقيق الشهرة على حساب القيمة.

فالتأثير في جوهره مسؤولية قبل أن يكون مكسبًا، والنجاح الحقيقي للشخصية المؤثرة لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بما تتركه من أثر نافع في العقول والقلوب.

زر الذهاب إلى الأعلى