كيف تتقن فن الجاذبية وتتجنب مفردات التنافر؟

✍️ رضي منصور العسيف
——————————
في عالم العلاقات الإنسانية، يبقى الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون نسمةً تُحبّ، أو ريحًا يُتجنَّب.
وما من أحدٍ يهوى أن يكون ممن ينفر الناس منهم، ولكن كثيرًا ما تتسرّب إلى الشخصية بعض الصفات دون أن نشعر، فتضع حولنا هالة من التباعد، وتسرق منا دفء القرب.
هذه الصفات لا تُولد معنا، بل تزداد حين نتجاوز حدّها، فـ كل فضيلة إذا خرجت عن حدّها انقلبت إلى رذيلة… وكل سلوك جميل إذا فقد اعتداله أصبح معولًا لطرد القلوب بدل جذبها.
ولأجل أن نرمّم علاقتنا بالناس، ونكون أكثر حضورًا وجاذبية… هذه بعض مفردات التنافر الاجتماعي التي ينبغي التفطّن لها:
1) حين يتحوّل المزاح إلى جرحٍ خفي
المزاح لطيف ما دام في حدوده، فهو يبهج الأرواح ويرطب العلاقات.
لكن حين يُلبس ثوب العنف، أو يجرح كرامة الآخرين، أو يتجاوز الضوابط الأخلاقية… يصبح سهمًا يصيب القلوب لا ابتسامةً تُفرحها.
قال أحد الحكماء لابنه:
“لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك”.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “كثرة المزاح تذهب البهاء وتوجب الشحناء” (1) .
وقال (عليه السلام) “كثرة المزاح تسقط الهيبة”(2) .
2) ملامح تُطفئ القلوب قبل أن تُشعلها
عجيبٌ أمر الإنسان…
يملك القدرة على بثّ الفرح بابتسامةٍ صغيرة، فيختار بدلها تجهمًا يثقل الهواء من حوله.
الوجه العابس لا يحتاج إلى حجارة ليبني جدارًا… يكفيه أن يحبس ابتسامته ليُغلق باب القلوب.
وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):
“إن الله يبغض المعبّس في وجه إخوانه”.(3)
وعنه (صلى الله عليه وآله): (يا بني عبد المطلب، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقوهـم بطلاقة الوجه، وحسن البشر)(4).
فالابتسامة هدية مجانية… لكنها تُكسبك ما لا تشتريه كنوز الأرض.
3) العتاب… خيطٌ رفيع بين المحبة والنفور
العتاب بابُ محبة، إذا طرقناه برفق.
أما إذا أكثرنا منه ضاقت به النفوس، وأغلقه الناس في وجوهنا.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):
” لا تكثرن العتاب فإنه يورث الضغينة ويدعو إلى البغضاء (5).
ويقول أيضًا:
“لا تعاتب الجاهل فيمقتك، وعاتب العاقل يحببك”.(6)
إنه فنّ، لا يمارسه إلا حكماء القلوب.
4) ضحكٌ على الآخرين… وبكاءٌ في العلاقات
من يستهزئ بالآخرين يجعل من نفسه جبلًا معزولًا، مهما كثرت ضحكاته.
السخرية ليست خفة دم… بل ثقل في الروح.
يسخر من شكل إنسان، أو من لهجته، أو من عجزه…
ولا يدري أنه يمزق شيئًا في داخله قبل أن يمزق الآخر.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
“لا يطمعنّ المستهزئ بالناس في صدق المودة”.(7)
فالسخرية لا تصنع إلا قلوبًا مبتعدة.
5) كلماتٌ تُقرّب… وأخرى تُباعد
الكلمة سفيرة صاحبها، إمّا أن تُقرّبه أو تُبعده.
ومن أكثر ما ينفر الناس:
أ) حين يتعالى الكلام فيبتعد الفهم
الحديث المعقّد يفقد جماله…
فأحسن الكلام ما هان على الفهم واستقر في القلب.
كما قال أمير المؤمنين (ع):
“أحسن الكلام ما لا تمجّه الآذان ولا يتعب فهمه”. (8)
ب) لكل مقامٍ حديث… فهل نُحسن الاختيار؟
لكل لحظة حديث، ولكل مقام مقال…
ومن لا يحسن اختيار كلماته، يخسر مساحات واسعة من القبول.
ج) فيضُ الكلام… حين يتحول إلى ملل
التنقل بين عشرات المواضيع بلا ترتيب، كمن يفتح نوافذ كثيرة في غرفة صغيرة…
لا يُبقي هواءً يتنفسه أحد.
يقول الإمام علي (عليه السلام):
أقل المقال ، وقصّر الآمال ، ولا تقل ما يكسبك وزراً وينفر عنك حراً » (9).
“وقال عليه السلام: “إياك وكثرة الكلام فإنه يكثر الزلل ويورث الملل”. (10)
د) تدخّل بلا دعوة… حين ينطق الفضول
أن تتدخل في حديث لا يعنيك…
أن تقتحم مساحة لم يُدعُك إليها أحد…
ذلك جرح خفي لا يراه المتدخل، لكنه يؤلم الآخرين.
وفي ذلك ورد عن
الإمام عليّ عليه السلام: “إيّاك وفضول الكلام، فإنَّه يُظهر من عيوبك ما بطن، ويُحرّك عليك من أعدائك ما سكن”(11)
ختامًا… كن وجهًا تُحبّ القلوب رؤيته
إن العلاقات لا تُبنى بالصدفة، بل تُصاغ كما تُصاغ التحف…
بيدٍ لطيفة، ونفسٍ مهذّبة، وأخلاقٍ تُنير الطريق للآخرين ليقتربوا.
فكن ممن يضيفون للدنيا جمالًا…
ومن يجعل حضورهم راحةً للنفوس، لا عبئًا عليها.
فالقرب هدية… والجاذبية خُلُق… والناس إنما تحبُّ من يشعرها بأنها محبوبة.
الهوامش:
1 ) عيون الحكم والمواعظ- علي بن محمد الليثي الواسطي ص 390
2 ) عيون الحكم والمواعظ- علي بن محمد الليثي الواسطي ص 389
3 ) البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج15، ص526.
4 ) الكليني، محمد، الكافي، ج2، ص103.
5 ) غرر الحكم : 10529 ، 10412 .
6 ) غرر الحكم : 315 ، 10215 ، 3977
7 ) – ميزان الحكمة، ج2، ص1247
8 ) غرر الحكم : 3371.
9 ) غرر الحكم : 211.
10) عيون الحكم والمواعظ, ص 97.
11) عيون الحكم والمواعظ, ص 99.