مقالات

*من عبق الماضي: الأضراس الذهبية في القطيف “ذاكرة صحية واجتماعية”*

🖌️ حسن محمد آل ناصر

——————————–

تزخر الذاكرة الشعبية في محافظة القطيف بكثير من العادات والتفاصيل التي شكلت حياة المجتمع في فترات سابقة ومنها ممارسات ارتبطت بالصحة والعلاج قبل انتشار الخدمات الطبية الحديثة ومن ابرز تلك الظواهر التي بقيت عالقة في أذهان كبار السن عادة تعويض الضرس المفقود بضرس مصنوع من الذهب أو الفضة، وهي ممارسة كانت واسعة الانتشار بين الرجال والنساء قبل أن تتراجع تدريجيا حتى كادت تختفي في الوقت الحاضر.

قبل التوسع في إنشاء العيادات المتخصصة وظهور طب الأسنان الحديث بصورته الحالية كانت مشكلات الأسنان شائعة بين افراد المجتمع نتيجة محدودية وسائل الوقاية والعلاج وإضافة إلى طبيعة الغذاء وقلة الوعي الصحي آنذاك، وعند فقدان الضرس بسبب التسوس أو الكسر أو الخلع لم تكن الخيارات العلاجية متعددة، فقد كان اللجوء إلى التعويض المعدني وعلى رأسه الذهب أحد الحلول العلمية المتاحة، وقد اعتمد الأهالي على أطباء أسنان محدودي العدد أو على ممارسين اكتسبوا خبراتهم عبر التدريب العلمي، حيث تصنع التركيبات بطريقة تقليدية مقارنة بالتقنيات المعاصرة لكنها كانت تؤدي الغرض الوظيفي المطلوب في المضغ والحفاظ على استقرار الأسنان.

لم يكن اختيار الذهب أمرا عشوائيا إذ تميز بخصائص جعلته مناسبا للاستخدام داخل الفم، فهو معدن مقاوم للصدأ وسهل التشكيل ويتحمل الاستخدام الطويل، ولهذا انتشر استعماله في تعويض الأضراس بصورة لافتة، ومع مرور الوقت اكتسب الضرس الذهبي بعدا اجتماعيا إضافيا فقد عد لدى بعض الناس علامة على القدرة المالية والمادية أو الحرص على إيجاد حل دائم خصوصا أن الذهب مادة ذات قيمة اقتصادية معروفة، لذلك أصبح بريق الضرس الذهبي أثناء الحديث أو الابتسام مشهدا مألوفا في المجالس والأسواق القديمة دون أن ينظر إليه بوصفه أمرا غريبا أو غير مألوف.

تشير الروايات الشفوية المتناقلة بين كبار السن إلى أن الأضراس الذهبية كانت منتشرة بصورة ملحوظة منذ منتصف القرن العشرين وحتى أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات الميلادية، وكان بالإمكان ملاحظتها لدى فئات عمرية مختلفة، ما يعكس شيوعها بوصفها حلا علاجيا مقبولا اجتماعيا آنذاك، وقد ارتبط انتشارها أيضا بالحياة الاقتصادية المحلية حيث ساهم توفر الذهب في الأسواق التقليدية في تسهيل استخدامه لأغراض علاجية وإلى مكانته الثقافية بوصفه معدنا ثمينا حاضرا في مظاهر الزينة والمعاملات.

ومع دخول الخدمات الصحية الحديثة إلى المنطقة وافتتاح المستشفيات والعيادات المتخصصة ظهرت مواد بديلة أكثر تطورا تحاكي لون الأسنان الطبيعية مثل التركيبات الخزفية والمواد التجميلية الحديثة، وتطورت وتغيرت النظرة الجمالية لدى المجتمع فاصبح الهدف هو إخفاء التعويض السني بدل إبرازه، وبحلول العقود الأخيرة تراجعت الأضراس الذهبية بشكل واضح حتى أصبحت نادرة الوجود ولم تعد تشاهد إلا لدى بعض كبار السن الذين احتفظوا بتركيبتهم القديمة لتتحول من ممارسة علاجية شائعة إلى شاهد اجتماعي على مرحلة تاريخية مضت.

تكشف هذه الظاهرة جانبا مهما من تاريخ التحولات الصحية والاجتماعية في القطيف فهي تعكس كيف تعامل المجتمع مع التحديات الطبية بالإمكانيات المتاحة وكيف تداخلت الحاجة العلاجية مع القيم الاقتصادية والنظرة الاجتماعية للجمال، وكما تبرز سرعة التحول الذي أحدثه التطور الطبي في تغيير العادات اليومية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا.

لم يبق من الأضراس الذهبية اليوم سوى حضور رمزي في ذاكرة الأجيال، أجل الآن أصبحت قصة زمن تروى فيه الحلول الطبية البسيطة لكنها فعالة ضمن ظروفها التاريخية ومع اختفاء هذه الممارسة بقيت قيمتها بوصفها جزءا من التراث الاجتماعي الذي يوثق مسيرة التحول من الطب التقليدي إلى الرعاية الصحية الحديثة في المجتمع القطيفي.

زر الذهاب إلى الأعلى