مقالات

جدار الحماية الإنساني ج2

✍️ تركي العجيان

——————–

وبعد أن تقدّم الحديث عن أولى دعائم جدار الحماية الإنساني والمتمثّلة في حِكمة العقل، نتابع في هذا المقال الحديث عن الدعامتين اللتين تكتمل بهما بنية هذا الجدار:

ثانيًا- ضبط النفس.

النفس هي المحرّك الأساس للإنسان، من خلال تفاعل قِواها التي أودعها الخالق سبحانه وتعالى فيها. فحين تتحرّك تلك القوى يتحرّك الإنسان تبعًا لها، فمثلًا حين ترغب النفس في أمرٍ ما، يبدأ الإنسان بالتفكير في ذلك الشيء، فيتحرّك باتّجاهه تلبيةً لرغبة النفس.

وبالتأكيد ليس كلّ رغبات النفس مشروعة، بل إنّها في كثيرٍ من الأحيان تدفع الإنسان إلى السوء من العمل، يقول تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} “يوسف، 53”. وهنا يأتي دور ضبط النفس ليكون الدرع الواقي لحمايتها من الانفعالات المدمّرة، أو من انجرافها في الاتّجاه الخطأ، أو من طغيان الأنفة الذاتية التي قد توصل الإنسان إلى الحد الذي ينطبق عليه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} “البقرة، 206”.

ولا يعني ضبط النفس أن يحرم الإنسان نفسه مما ترغب فيه، أو ألا يغضب، أو ألا ينتصر لذاته، بل يعني أن يكون كل ذلك ضمن ميزان الحكمة، دون تجاوزٍ للحد الذي يبدو فيه سلوك الإنسان منافيًا للذوق العام، أو مخالفًا للقانون، أو متجاوزًا للحدود التي أرادها الله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} “الطلاق، 1”.

وضبط النفس مهارةٌ يمكن للإنسان اكتسابها، من خلال التوجّه الذاتي لذلك، والتدريب الشخصي عليه، مع التوجّه إلى الخالق سبحانه لنيل التوفيق الإلهي في تحصيل هذه المَلَكَة.

وهنا يأتي قول أمير المؤمنين (ع) ليؤكّد إمكانية تحققها، حيث يقول (ع): ((مَنْ لَمْ يَكُنْ حَلِيمًا فَلْيَتَحَلَّمْ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 207”.

ثالثًا- تقوى القلب.

حين تتحرّك النفس نحو ملذّاتها وشهواتها وغرائزها، فإنّها في كثيرٍ من الأحيان قد تدفع بالإنسان إلى المحظور عليه شرعًا، وهنا لا تحتاج النفس إلى ملَكَة ضبطها فقط، بل إن ذلك يتطلب ردعًا لها، وزجرًا لتجاوزها، وعصيانها لأمر خالقها، وهنا يأتي دور تقوى القلب ليكون حائلًا دون اقتراف الإنسان لعظيم الذنوب. ولذا نجد أن الإمام علي (ع) على مكناته وعظمته يقول: ((وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى)) “نهج البلاغة، الحكمة: 45″، مما يعني أن التقوى ومحلّها القلب الوجداني هي السبيل الأعمق والأوثق الذي من شأنه أن يحول بين الإنسان وبين اقتراف الذنوب. وقد اختصر الإمام الصادق (ع) معنى التقوى حين سُئل عن ذلك، فقال (ع): ((أَلَّا يَفْقِدَكَ اللَّهُ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَلَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ)) “الكافي، ج:2، ص: 16″؛ وتأكيدًا على أهميّة تقوى القلب وأهميّتها كصمام أمان للإنسان، قال الإمام علي (ع): ((طُوبَى لِمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 373″، وقال (ع): ((أَشْعِرْ قَلْبَكَ التَّقْوَى، وَخَالِفِ الْهَوَى، تَغْلِبِ الشَّيْطَانَ)) “الكافي، ج:2، ص: 16”.

ولا يعني تقوى القلب أن يكون الإنسان معصومًا، غير أنها تعني أن يمتلك الإنسان العدالة الشرعية التي يراها الفقهاء في إمام الجماعة، حيث يقولون بأن عدالة إمام الجماعة تتحقق بعدم ارتكابه لكبائر الذنوب، وعدم إصراره على الصغائر. فقد يُخطئ الإنسان عن غير تعمّدٍ وقصد، وهنا يتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة، ولا يُصرّ على الذنب، وبذلك تتحقق بشأنه تقوى القلب. وتقوى القلب درجات، وكلّما ارتقى الإنسان في هذا المجال أصبح قلبه عامرً بذكر الله -عزّ وجلّ- وأصبح قلبه مطمئنًّا بالإيمان، ليرتقي بعد ذلك ليكون من المتّقين.

شهد الكلمات

عند هذه الدعائم الثلاث يتّضح أن جدار الحماية الإنساني ليس فكرةً تجريدية ولا ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية في عالمٍ تتكاثر فيه المؤثرات، وتتزاحم فيه الأصوات، وتُخترق فيه العقول قبل الأجساد.

فحين يمتلك الإنسان حكمةَ العقل لتمييز ما يَرد عليه، وضبطَ النفس لكبح اندفاعه، وتقوى القلب لتقويم مساره، يكون قد شيّد في داخله جدارًا صامتًا، لا يعزله عن العالم، بل يحميه من الذوبان فيه.

إن جدار الحماية الإنساني لا يعني الانسحاب من الحياة، ولا الخوف من التجربة، بل يعني الوعي؛ ذلك الوعي الذي يمنح الإنسان القدرة على البقاء متوازنًا وسط العواصف.

إنه جدارٌ لا يُبنى ليمنع كل شيء، بل ليمنع ما لا ينبغي أن يمرّ، ويُبقي للإنسان سيادته على ذاته، وطمأنينته في قراره، واستقامته في مسيرته.

وفي زمنٍ باتت فيه الاختراقات ناعمة، والتأثيرات خفيّة، لم يعد الخطر فيما يُفرض على الإنسان قسرًا، بل فيما يتسلّل إليه دون أن يشعر. وهنا تتجلّى قيمة جدار الحماية الإنساني.

حين تكون حكمةُ العقل بوابةَ التمييز، وضبطُ النفس ميزانَ السلوك، وتقوى القلب بوصلةَ الاستقامة التي لا تزيغ.

زر الذهاب إلى الأعلى