تأملات من سيرة الراحل سماحة الخطيب ملا حسين آل باقر

✍️ جهاد الهاشم
——————
حينما أقلبُ صفحاتٍ نُسِجَ في خضمِها حروفٌ بديعة، وكلماتٌ جميلة ، وأسطر مشرقة ، وجمل مضيئة ، اُستبدل حبرُها بماء ذابَ فيه عطرٌ وألماس وذهب ،وعندما لامستْ يداي تلك المخطوطات بأنواعها كالقصاصات والرسائل والكتب وأصبحتُ أتأملُها ، والتي جاءت في تبيان عظمة ذلك المؤمن الورع ، والتي ملؤها إنجازات رفيعة وأعمال حميدة و حياة زاخرة بالتربية العظيمة والأخلاق الكريمة والشيم النبيلة والعلوم الجليلة تُوجت في نهاية المطاف بمبادئ سديدة وقيم ثقيلة ورصينة وسلوك مهيب وأسلوب راق يتوافق وعقول الأسوياء وهذه جلها أتت نتاجا لعطاءات وفيرة وتضحيات جسيمة وتراكمات عديدة بُنيت على مدى أزمنة بعيدة طال أمدها وسنين شيدت بعناية فائقة وجودة عالية ومواصفات سامية وسمات راقية كلها صدق وإخلاص ووفاء قَلَّ وجود مثلها ونظيرها .
عزيزي القارئ، مما لاشك فيه بل ومن الطبيعي أن يقف القلم عاجزا متحيرا خجلا ومطأطئا تجاه الحديث عن تلك الشخصية الفذة والتي طالما قدمت ما يمكن تقديمه لخدمة المنبر الحسيني بشكل خاص والمجتمع بشكل عام ولفترة ناهزت الستين عام ،نعم – هو المغفور له بإذن الله تعالى – سماحة الخطيب ملا حسين بن ملا محمد آل باقر، ذلك الرجل الورع الذي عرفه الكثيرون عن كثب لا سيما في موسم الحج الأكبر؛ فقد كان – رحمه الله – معلما ماهرا ، ومرشدا خبيرا ، وأستاذ قديرا ، وتربويا متمكنا ، وإنسانا ذا خلق ، مميزا يشار له بالبنان في ذلك المجال ولأكثر من اثنين وخمسين عاما خدم وقدم لتلك الشعيرة المقدسة أبهى صورها ، وبكل ما يلزم من أمانة وتفاني وصفاء ليصل بضيوف الرحمن لوضع يكونون فيه واثقين آمنين مطمئني القلوب ، وهذا لاريب غيض من فيض . .
وبما أننا وصلنا لمنتصف هذه المقطوعة من الحديث لا بأس أن أستذكر لشخوصكم الموقرة قصة سأرويها لكم لأتخذ منها منطلقا لتبيان ما يحمله ذلك الأب الحنون في قلبه من عطف ومحبة تجاه الآخرين بمعزل عن جنسياتهم وألوانهم ، وكأنه يستحضر في وجدانه كلمات تجسد ذلك الموقف للإمام علي بن أبي طالب – عليه السلام – (( الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ))ويرجع تاريخ تلك الحادثة لموسم الحج من العام ألف وأربع مائة وأربعة هجرية أي منذ حوالي ثلاث وأربعين عاما، وكنت وقتها لم أتجاوز عشر سنوات من العمر ،وكنا في مكة المكرمة لليوم الحادي عشر من ذات العام في منطقة تسمى شعب عامر متوجهين للمبيت في مشعر منى المقدس.
وبينما كنا في جادة المسير لاحظ الجميع على قارعة الطريق طفلة صغيرة عرفنا فيما بعد أنها من الجنسية الهندية تبكي بطريقة تدمي الأفئدة والقلوب ولوحظ كذلك لا أحد يعيرها اهتمام فقط يكتفون بالنظر إليها فالكل مشغول بنفسه ، وفي هذه الأثناء همس أبو علي في أذن السائق بأن يتوقف وكان يجلس بجواره سماحة الشيخ سعيد المدلوح قدس سرهما فترجل – رحمه الله – ونزل واقترب من تلك البريئة المسكينة والمغلوبة على أمرها فجثا على ركبتيه ووضع الصغيرة على حجره فصار يمسح على رأسها والدموع تجري من عينيها وهو يلاطفها وهدأ من روعها وأبى أن يبارح مكانه حتى يأتيا أبواها في منظر جسّد بين جنباته ما يكنّهُ الراحل الكبير بداخله من أحاسيس ومشاعر وعطف وحنو وإنسانية شاهقة وعظيمة بلغت من العليا ذروتها ..
وبعد برهة قليلة من الوقت أقبل الأب بمعية أحد رجال الأمن وشاهد الموقف بعينه وما إن رأى ذلك حتى فاضت عيناه بالدموع وأقبل إليه وصار بينهما عناق عميق وهو يبكي من شده فرحته بلقاء وديعته الصغيرة وفي تلك اللحظات لم أدرك حقيقة أبعاد ذلك الموقف الحاني وما يحمله بين طياته من معاني بشرية عالية امتزجت بسمو الفعل وطهارة النفس لأنني لا أملك من الخبرة شيئا باعتباري كنت أصغر عمرا.
ولكن عندما توالت الأيام والسنون بقي ذلك المشهد المهيب عالقا في ذاكرتي ووجداني بجميع تفاصيله حتى يومنا هذا أستلهم منه الكثير من الدروس والعبر التربوية وبالتالي تكوين قاعدة أساسها أن الرأفة والرحمة والشفقة ولين الجانب كلها ميزات وطباع جعلها الله -جل شأنه – علامات مليئة بالحب والرأفة خصَّ بها عباده المؤمنين المتقين؛ ومصداقا لقوله تعالى :{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا}. ( سورة الإسراء الآية 28 ) وقال تبارك وتعالى :{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }
سورة الفتح الآية 29).
فهناك جمع غفير وأعداد كبيرة من الحجيج من أرض المحبة والكرم ونعني هنا قطيف العطاء وقراها الأصيلة قاطبة لها والراحل الكبير قصص ومواقف لا حصر لها ستبقى مخلدة في ذاكرة الكثيرين من الخيرين والمحبين ممن عايشوه وصاحبوه وخالطوه وعرفوه بطيب معشره وحسن خلقه وبشاشة وجهه ونخص بالذكر مواسم الحج لفترة تجاوزت النصف قرن من الزمن فلم يكن لقاصدي بيت الله العتيق من الحجيج نساء ورجالا مرشدا فقط إنما هو أب وأخ وصديق ومسؤول ومشرف يشعر بهم ويتلمس حاجاتهم ويتابع أمورهم ويسأل عن أوضاعهم ودوما كان بجانبهم يحرص على توضيح أحكام مراجعهم بتفاصيل واضحة و دقة متناهية و براعة بارزة .
وختاما نؤكد وفي هذا المقال المتواضع لن نستطيع في واقع الحال أن نحصي مآثر وخصال ذلك المربي الفاضل والخطيب المفوه فقد كان رحمه الله تعالى متواضعا بسيطا حليما ودودا حافظا لكتاب ربه ومواظبا على تلاوة آياته حاله كبقية أسلافه وعلماء منطقته وبلاده ومن هذا المنطلق ومن الواجب علينا أن ندعوا له ولكافة علمائنا الراحلين الأبرار بالرحمة والغفران والجنة والرضوان وأن يجزيهم عن جميع المؤمنين والمؤمنات عظيم الجزاء والثواب ، كما نسأله – جل في علاه – أن يسكنهم الفسيح من الجنان وأن يحشرهم مع محمد وآله الطيبين الأطهار ولا ننسى الباقين من علمائنا و خطبائنا الأجلاء الكرام اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه واحرسهم بعينك التي لا تنام وسدّد على طريق الخير خطاهم يا قادر يا رحمن ، وأن يعم نفعم أرجاء البلاد والعباد إنك سميع مجيب الدعاء.