مقالات

2026 … بين الرقم والوعي

✍️ حسين المحروس

———–

يرتكز التقويم الميلادي على احتساب الزمن بوصفه متغيرًا مستقلًا، وحركةً منتظمة لا تكاد تعبأ بما يمرّ بداخلها. حتى لكأنك تختالها أياما صماء تتعاقب كما تتوالى الظلال، دون أن تلتفت إلى من ينعم بفيئها. على النقيض من ذلك فان التقويم الهجري يمتاز بالربط الزمني للحدث بدأ بعشرة محرم الحرام (في كل عام لنا بالعشر واعية). فمن خلال منظور الفاجعة العظمى، يتعمق جانب الوعي المجتمعي، وتبرز نقطة الانعطاف في اتجاه التفاعل مع هذه الذكرى. علما بانه من وجهة نظر رياضية بحتة، فان ليس كل النقاط متساوية؛ اذ بعض تلكم النقاط قادرة على تغييّر ميل المنحنى برمته، وبالمثل فان بعض الثواني تمتلك الاستعداد لإعادة الصياغة الجديدة لكثير من مناحي الحياة المتعددة.

السنة الميلادية تحسب المسافة التي تقطعها الأرض حول الشمس. على الجانب الاخر فان السنة الهجرية تحسب الأثر الذي تتركه الحركة في الإنسان. من الأعلى، يبدو الخلاف بين الشمسي والقمري بسيطًا؛ كون ان كلاهما لا يلبث ان يرتكز على مفهوم واحد وهو الدوران. وعليه لا يحق لك اختزال الفارق بينهما في طبيعة زاوية المدار، بقدر النظر بتمعن في القدسية والمعنى.

تأسيسا على ذلك فان السنة ليست دائما وحدة زمنية متجانسة ثابتة، باعتبار ما يندرج في طياتها من مسارات متعرّجة متشعبة. فهناك سنة تشعرك بالتسارع والاندفاع خلف سراب الوهم، وهناك سنوات تمتاز بالتباطؤ والتوقف هنيئة لتوحي بمحاولة التقاط الانفاس لتمكين الفهم الاشمل لما يدور حولنا من احداث. ان الأعوام هي بمثابة انعكاس لذواتنا عندما نكتشف يوما أننا كنا نركض في الاتجاه الخطأ. وعليه, فلعل الاجدى بالسؤال الحقيقي ان لا يصاغ على نسق كم سنة قد عشت؟ بل الاحرى ان يعاد ذات السؤال بقالب اوضح عن كيفية ومقدار اتجاه منحنى حياتك على ضوء (من تساوى يوماه فهو مغبون)؟ هل صعدت ببطء وثبات، أم كنت تتذبذب بين القرار ونقيضه، أم هل صرفت عمرك بين مطرقة الحيرة وسندان الغبن؟

السنة الجديدة، إذًا، بغض النظر عمن دأب على اغتنامها كفرصة لإعادة ضبط عقارب ساعته، نحن ندعوك هنا لانتهازها كمناسبة للتدقيق في معادلة حياتك اليومية برمتها. اغتنم لحظة التأمل هذه والتي يهتم فيها البعض غافلا بالزيادة الشكلية الرقمية للتقويم، وكن انت مغايرا واجعل منها فرصة مؤاتية لمراجعة القيمة الكامنة للرقي في مقدار وفي اتجاه منحنى وعيك النوعي والكمي على الصعيدين الشخصي والمجتمعي. يتحتم عليك أن تنتقل من مرحلة الإحساس بزمنٍ يمرّ عليك بلا أثر، إلى حقبة تصارع أنت فيها بتمام حضورك وشعورك لينفتق ويزدهر فيك جانب الاستيعاب والرشد. فالزمن يا صديقي، لا يُقاس في جوهره بما نستهلكه من عديد الأيام، على العكس تماما فانه فرصة ومستوى من التكامل ليبرز من خلاله ما يبذره في أعماق وعينا من تحوّل وتحور في طريقة وأسلوب التقييم المتجدد للحياة.

حتى يتضح لك معنى النظرة المغايرة للزمن, هيا نحلق معا لوهلة الى خارج الغلاف الجوي. حيث لا يوجد هناك لا يناير ولا محرّم. ستلحظ كوكب الارض يدور بلا ملل حول نجم الشمس، وضوئها يصل بانتظام، وكنتيجة لذلك فان الظلّ ينسحب بصمت ويعم الليل والهدوء. الزمن هناك لا يحتفل بالمناسبات، ولا يلتفت الى البدايات ولا النهايات. لا أحد يعدّ الأيام في المدار، لأن اليوم ليس إلا دورانًا، والدوران ليس إلا خضوعًا لقانون كوني لا يحابي أحدًا (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). من تلك المسافة، ستبدو لك أعمار البشر كخطوط رفيعة قصيرة وبأوزان متساوية.

في ذلك الفضاء الشاسع، تتساوى ساعات الصمت والسكون، على الرغم من اختلافاتها في السرعات. فرائد الفضاء لا يعود بالعمر نفسه الذي كان قد غادر به الأرض. الزمن هناك وفي خضم ذلك الظرف الخاص يمتلك خاصية التمدد والانكماش، بالرغم من عدم تعطل الساعة، ونفي اي غياب او تغيير في مقادير ومفاهيم وطريقة احتساب القياس الزمني. اليك هذه الحقيقة بيضاء ناصعة, ان الزمن هو بقدر ما يقاس بالشعور، وبما يمكن ادراكه بالحركة الداخلية الجوهرية التي من خلالها تستطيع اعادة صياغة موقعك واتجاهك.

في حدود الفيزياء النسبية، نحن لا ننظر للزمن من جهة كونه خطًا مستقيمًا يسير باتجاهنا جميعا تحت وطأة السرعة نفسها. تفكر قليلا كيف ان ساعتين متماثلتين، تقعان في مجالين مختلفين من الجاذبية، لا تتفقان على العمر ذاته. هذا ليس نابع من خلل في القياس، فينتج عنه اختلافًا في الحقيقة. بل ه هونا المكان الذي تتقاطع فيه الفيزياء مع التجربة الإنسانية, وعليه فليس كل الناس يعيشون الزمن ذاته، حتى لو عاشوا تفاصيل وواقع اليوم نفسه.

وفي بعد اخر, تامل قول الله تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾, ففيه تثبيت لموقعيه أربعة أشهر حُرُم, وتشديد على ان نسيج الزمن يحتوي على مناطق ذات قداسة، ونقاط توازن، لا يُسمح بتجاوزها دون حدوث اختلال في النظام. تماما, كما انه قطعا لا يُسمح بتجاوز بعض الحدود الفيزيائية دون حصول انهيار في عمق النموذج المادي.

نختم فنقول بان السنة التي تمرّ على قلبٍ مثقل بالهموم، لا تحتسب تماما بنفس الطريقة والمنهج كما السنة التي تمرّ على قلبٍ هادئ مطمئن. لذا فان الزمن النفسي لا يمكن ان يخضع للتقويم العددي، انه في اعماقه انعكاس للحالة التي يمر بها الانسان ولظروفه. فدقيقة خوف قد تمر ببطء فتثقل على صاحبها ويكأنها ساعة كاملة. بالمقابل فان ساعة من سكينة وعبادة قد تمر بك كأنها لحظة قصيرة. يخيل اليك كأنما الوعي هو مجال الجاذبية وهو الذي قد اخذ على عاتقه مهمة تبطئة الزمن أو تسريعه.

لهذا اجمالا يمكن النظر إلى السنة التقويمية من خلال هذه المعادلة البسيطة:

الزمن المعاش = الزمن الكوني × الوعي

فإذا ما كان الوعي صفرًا، فالناتج لابد ان يستحيل صفرا، مهما امتد بك العمر. على الجهة الأخرى فان ارتفاع منسوب الوعي لدى الفرد، يغيّر قيمة السنة، حتى وان كانت محدودة الامد في الاساس.

زر الذهاب إلى الأعلى