مقالات

720 درجة

✍️ حسين المحروس

————-

كثيرا ما نسمع عن مفهوم النظرة من زاوية 360 درجة, وهو إشارة الى الرؤية الشاملة, من جميع الأركان, بغير اهمال لاي جهة, إيذانا بالاستيعاب والاحتواء.

في هذا المقال نريد ان نتحدث عن تفعيل اسلوب النظرتين, بدل اعمال النظرة الواحدة. فمرة مع ومرة ضد, بمجموع 720 درجة, قبل اصدار الحكم النهائي في الامر, مما يتيح للشخص التقييم الاولي مشفوعا (من ثم) بإعادة التقييم من وجهة النظر المقابلة, لعله عند تنشيط النظرة الثانية المعاكسة, ربما يتضح لك مالم يكن واضحا مسبقا. قال تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ), مع انه قطعا (ص) يعلم عين اليقين انه على الحق الزلال وانهم على الباطل.

فكما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله (إحمل أخاك المؤمن على سبعين محمل من الخير), ورد كذلك عن الإمام علي عليه السلام (أنصف الناس من نفسك).

كثيرا ما تنشب الخلافات الاسرية في البيت لأسباب تافهة. ابنك قد تأخر خارج المنزل، زوجتك لم تفهم ما قصدت قوله، زوجك لم يبرز حبه لك, لعلها كلمة عابرة قد قيلت من دون قصد. بينما ترى في النظرة الأولى الإهمال، فتستدعي من طرف اللوم على حساب الطرف المقابل. كان الاجدر بك ان تدرك من خلال التقييم والنظرة الثانية وتتسائل “ماذا لو” كان هناك شيء خفي لم اعلمه لم افهمه لم أدركه لم يصلني بعد او وصلني ناقصا مبتورا محرفا؟ لعل في الامر ضغط خفي صامت لم افطن اليه؟ خوف لم يبح أحد به؟ بمجرد دوران العدسة للزاوية الثانية، يتحول الغضب إلى فهم أعمق، ويستحيل العقاب احتواء، فننعم بالهدوء ويسكن الضجيج ويطمئن اهل البيت, وذلك فقط لأننا قمنا بتحكيم العينين في مقابل العين الواحدة.

في جو العمل، قد ترى زميلك متراخيا أو تعتبر مديرك متشددا أكثر مما ينبغي. لذا يصبح تقييمك الأولي في ان تُدين الأداء والأسلوب, (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ). فبعد اعادة التقييم الاولي، قد ينكشف لك أحيانا أن التراخي ناتج عن نقص التدريب، أو أن التشدد ولد من رحم المسؤولية الثقيلة. اسلوب ال720 درجة هذا يصنع قائدًا عادلا، ويتعامل مع موظف منصف، بعد ان اعطى كل طرف لنفسه مساحة كافية لتجربة “ماذا لو” بالتمثل والتموضع على الضفة الأخرى من النهر قبل ان يقوم بإصدار الحكم النهائي والتبصيم عليه.

أما في السوق، فغالبا ما نستعجل في حكمنا على التاجر, هذا المنتج غالٍ، وذاك البائع جشِع. النظرة الأولى تحاسب السعر، بينما النظرة الثانية تتابع التكاليف والمخاطر وتقلبات العرض والطلب والاجار. حينها فقط نفهم أن ليس كل غلاء منشأه الجشع والطمع، وبالمقابل ستقتنع بأن بعض الرخص ليس سببه الأمانة والقناعة. بهكذا وعي سوف تقوم بعملية الشراء بشيء من التعقل والروية والدراسة والتمحيص، وهو يبيع منتجاته بضمير وامانة وفي نفس الوقت بربح وفير.

أما في دائرة الأصدقاء، فيغلب عليه ان تُسيء زلة واحدة إلى تاريخ طويل من العشرة والاحترام المتبادل. بنظرة عابرة قد ترى بوادر الخذلان، وعليه فمن السهل عليك اتخاذ قرار بقطع العلاقة “التي قد تصنفها في حينها تحت طائلة المسمومة” مع الطرف الاخر. اما بعد الكرة الثانية فسوف تستحضر العِشرة، وتبحث له عن عذر، فتقوم تلقائيا بمنح فرصة جديدة مواتية له, قل بل فرص شتى. لقد آن لك ان تستبدل قناعتك من اعتبار الاعتذار دليل على العجز والضعف، ومن ان ما شهدته من حزم كان نابعا من القسوة؛ تبدل كل ذلك الى الضفاف الاخرى حيث امسيت تؤيد الحكمة وتأطر لمفهوم الزاويتين, من قبل ما ينغلق باب الفهم والنقاش.

ومع الأرحام، يشتد فرط الحساسية في الكلام والتعامل الحذر. كلمة عابرة غير مقصودة فاذا بها قد ورثت قطيعة الارحام، ورب موقف يتيم ساهم في النفور والجفاء. بينما التقييم الأولي كان يركز على الاعتزاز بالنفس وحفظ الكرامة، ادارت النظرة الثانية الدفة بحرفية فأضحت كفيلة بحفظ وصيانة لحمة القرابة. وبين الرؤيتين ميزان دقيق، لا يُمسك بهما معا إلا من تدرب على فن الذكاء العاطفي ومهارة إدارة الحق (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).

ختاما, يتحتم علينا ان لا ننظر الى درجة 720 على انها تمييع للحق أو تسطيح للأمور، بقدر ما هو إعطاء فرص مضاعفة للوصول للراي الحكيم وتفعيل الرؤية الرزينة المتوازنة المتأنية. ذلك أسلوب ترويض لحياة جديدة وتمرين على العدل، وتحصين من التسرع، وبوابة إلى الرؤية العميقة ونافذة واسعة للبصيرة (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).

زر الذهاب إلى الأعلى