*من عبق الماضي: اقتصاد البيت القطيفي “نساء يحملن السوق”*

✍️ حسن محمد آل ناصر
——————————
من ذاكرة القطيف القديمة وقبل أن تتبدل ملامح الأسواق وتغذو الحاجات تقضى بضغطة زر، كان للأزقة نبض خاص وكانت الحياة اليومية تنسج عبر وجوه مألوفة تعرفها البيوت كما تعرف ابناءها، ومن بين تلك الصور التي لا تغيب صورة البائعات المتجولات، نساء حملن على رؤوسهن “البياعة” ومشين بها بين الدروب الضيقة كأنهن يحملن جزءا من روح المكان نفسه.
كانت البياعة أشبه بصندوق أسرار صغير تتراص فيه الأقمشة الملونة واغطية الرأس المطرزة وأشرطة الزينية وأكياس الحناء والخضاب وقوارير العطور الشعبية التي تعبق روائحها طويلا إلى جاب البخور المحفوظ في علب صغيرة والمكاحل والمرايا اليدوية والأساور والخواتيم غير الذهبية “رانقوه” ودبابيس الشعر والخيوط الملونة وحتى الألعاب البسيطة والكرات الصغيرة التي كانت كفيلة بأن تصنع فرحا واسعا وبهجة في قلوب الأطفال.
ولم تكن البائعات سواء في بضائعهن فلكل واحدة منهن تجارة عرفت بها حتى صارت تنادى باسمها مقرونا بما تبيع، فإذا قيل في الحي: “أم فلان قد أتت” رأيت الأطفال مصطفين عند الأبواب ينتظرون لحظة رؤية ما حملته معهم وتتسع اعينهم قبل أن تمتد أيديهم بالاختيار، فواحدة اشتهرت ببيع الملابس النسائية ولا سيما “النفانيف” ذات الألوان الزاهية التي تنتظرها الفتيات بشوق وأخرى عرفت ببيع الصحون والأدوات المنزلية “المواعين” تحملها بعناية وتعرضها بفخر كأنها زينة بيت جديد، وأخريات يتخصصن في العطور والبخور أو في أدوات الزينة والخضاب حتى بدا وكأن لكل بائعة نغمها الخاص وحضورها المختلف.
بهذا التنوع تحولت تلك النسوة دون قصد إلى ما يشبه المجمعات التجارية المتنقلة لكنها مجمعات تأتي إلى عتبة المنزل وخصوصا للنساء اللواتي لم يكن يخرجن كثيرا إلى الأسواق، فبدل أن تذهب المرأة إلى السوق كان السوق نفسه يطرق بابها محملا على رؤوس نساء يعرفن حاجاتها وذوقها ويحفظن ما تحب وما اعتادت شراءه.
وتلك البائعة لم تكن غريبة عن الحي فقد كانت معروفة بالاسم والصوت والخطوة وما ان تسمع نداءاتها حتى تفتح الأبواب دون تردد فتدخل البيوت كما تدخل قريبة أو صديقة قديمة، تجلس في فناء الدار أو قرب المجلس أو في الصالة وتضع حملها أرضا وتبدأ بفرد بضاعتها فوق قطعة قماش نظيفة بينما تدور الأحاديث قبل أن تبدأ المساومة وتسأل عن الغائب وتطمئن على المريض وتبارك لمناسبة وتشارك النساء أخبار الحي فتغدو زيارتها مجلسا اجتماعيا لا يقل أهمية عن البيع نفسه.
وكان التعامل معها قائما على الثقة قبل المال، فقد تبيع أحيانا بالدين وتؤجل الحساب إلى زيارة لاحقة دون ورقة أو ضمان سوى المعرفة المتبادلة، وربما احتفظت بطلب خاص لإحدى النساء فتعود بعد أيام حاملة ما أوصت به كأنها تؤدي أمانة شخصية لا صفقة تجارية.
ولا تزال الذاكرة تستعيد مشهدهن أيضا خارج البيوت حين يفترشن بسطاتهن بالقرب من عين السدرة القائمة آنذاك قرب مسجد السدرة حيث كان المكان ملتقى حيا للناس، أجل هناك تختلط رائحة البخور بنيم الماء وتتداخل أصوات البيع مع أحاديث العابرين في صورة تختصر بساطة الاقتصاد الشعبي ودفء العلاقات الاجتماعية.
تلك البائعات أكثر من مجرد تاجرات كن رسائل حياة متنقلة يحملن الأخبار كما يحملن البضائع ويصلن بين البيوت كما تصل الطرق بعضها ببعض ويدخلن المنازل كأنهن من أهلها ويغادرنها وقد تركن خلفهن شيئا من الفرح وذكرى صغيرة تبقى عالقة في القلب طويلا، أجل حين نستعيد تلك المشاهد اليوم ندرك أن “البياعة” لم تكن تجارة فحسب، بل صفحة كاملة من تاريخ اجتماعي وزمن كانت فيه الأبواب مفتوحة والوجوه مألوفة، وكانت البساطة وحدها قادرة على أن تصنع مجتمعا متماسكا تحفظه الذاكرة قبل أن تحفظه الكتب.