الحاجة الى إعادة هندسة العقل الجمعي

✍️ حسين المحروس
———————
يتشكل العقل الجمعي من المساهمات الفكرية الفردية الناتجة عن اللاوعي بحيث يصبح هو السمة والتوجه الشمولي العام للمجتمع ككل. اما لفظة العقل الجماعي او الجمعي لاي مكون فتكشف عن مدى الانعكاس والتطابق والتشابه والتقارب بين رؤية الفرد وبين النظرة الفكرية المشتركة لمعظم أفراد ونخب ذلك الجسم المجتمعي. وهذا الانجذاب والاصطفاف الفكري يترسب ويتراكم مع الزمن ولا يتكوّن دفعة واحدة، كما انه لا يمكن ان يولد ناضجًا مكتملا. فهو يتشكل ببطء مع الزمن من خلال مزيج من العناصر والمؤثرات كالأحداث اليومية والخلفية التاريخية والمنصة الثقافية مشفوعة بالظروف الانية المحيطة. طبقة فوق طبقة، كما تتكدس الرسوبيات في قاع المحيط, تتخلق الفكرة الجمعية العابرة، على هيئة خبر مستساغ، او صورة نمطية مألوفة, او ارتكاز ذهني نمطي, وجميعها عوامل مساهمة في تشكيل وادارة واحتكار مقتضيات الراي العام للمجتمع. وبالرغم من ان نزرا يسيرا فقط من الاحداث يترك أثرًا صغيرًا، قد لا نلاحظ هذا الجنوح المجتمعي لعدم بروزه وحده كخبر قائم بذاته. مع انه يمتلك القدرة على صياغة مجرى التفكير العام، ويملي على اللاوعي الجمعي ما يجب ان نراه طبيعيًا، وما ينبغي ان نعدّه مستحيلًا.
وحين نُدرك أن معظم قناعات الناس لم تعط الفرصة ليتم فحصها بعقولهم الفردية بعين باصرة متأنية، لأن هذه الأفكار قد استُعيرت من الجو السائد، يتبين لك ابني وابنتي القارئين الكريمين مدى خطورة ترك هذا العقل الجماعي دون تثقيف وملاحظة ومراجعة وتقويم. وعليه فإن لم يُهندس هذا العقل الجمعي ويُعاد تشكيله وصيانته تلقائيًا ودوريا على يد الاصوب فكرا بعيدا عن الأقوى صوتًا والاشهر ميديا, سوف يتأخر وينحرف ويحيد.
في مجال الهندسة مثلا، يجب ان لا نترك البناء ليكتمل بصورة عشوائية من دون رقابة صارمة، لأن أي خطأ صغير في اساسات المبنى وقواعده سيتضخم مع ازدياد الارتفاع مما سيصعب أي عملية للإصلاح لاحقا. بنفس المنطق, فخطورة اهمال العقل الجمعي دونما مراقبة او تصويب تكمن في إمكانية جنوحه واعتلاله إذا ما هبت رياح الاحداث. ليس المطلوب منا ابدا السيطرة عليه، لكن الاجدى والاجدر بنا الشروع في تحريره من آفة التلقين، وإعادته إلى وظيفته الأصلية المتمثلة في تغليب جانب التعقل بعيدا عن وباء التقبل والترديد.
إعادة الهندسة تبدأ بالتشجيع على طرح الآراء الجريئة ومناقشتها بهدوء وصياغة الاسئلة الجوهرية ومحاولة الإجابة عليها. لننتقل من حقبة تجريم السؤال، الى مرحلة رفض التقليد الاعمى الغير مستند الى دليل مقنع. نحتاج لان نتحلى بالشجاعة المطلوبة للإجابة على الاسئلة بشرط ان يكون هدف التساؤل هو الوصول للحقيقة وليس هدم المبادئ والثوابت العقائدية. المطلوب هو النقد الذاتي للمجتمع وحلحلة المعضلات التي تبرز أكثر إصرارا, وذلك بإيجاد البدائل بظروف نابعة من خارج الصندوق. نشجع الاستفسارات الهادفة المتوازنة بعيدا عن التشنج والعصبية, لا نبتغي غير الحق ولا نروم غير الحقيقة. بالمقابل فان العقل الجمعي حينما يتوقف عن طرح الأسئلة ويستنكف عن مناقشة الأفكار الحديثة ويعاقب على تحليل الوقائع الجارية، يتحول إلى ذاكرة ضخمة, لكنها عقيمة بطيئة سقيمة ومتهالكة. تستحيل ذاكرة الوعي المجتمعي حينئذ الى مخزون من الشعارات الخاوية التي تفتقر لأدنى روح. ثق بان المجتمع الذي يخشى مناقشة التساؤلات المصيرية، يشبه جسدًا يخشى البوح بالألم، فيفضل ان يترك المرض ينمو ويستشري بصمت في صميم جسده على ان يشخص العلاج الناجع ويستأصل أصل الداء.
ننتبه الى ان طرح السؤال وحده لا يكفي، إن لم يُصاحبه منهج واضح في إيضاح وتقنين الأطر المساعدة على الاجابة. كما في العلم، فانه لا قيمة لفرضية بلا تجربة، كذلك لا فائدة من رأي خاو غير مدعوم بالدليل. في الفكر التوعوي العام، لا بد من نقل الناس من منطق “هكذا وجدنا” إلى منطق “لماذا هو كذلك؟”. هذا الانتقال والتكامل هو عين ما ننادي به من ضرورة إعادة هندسة وتشكيل وصياغة العقل الجمعي. ببساطة نحن ندعو الى تحويل العقل الفيفي من وضعية المتلقي السلبية إلى مرحلة المشاركة الجماعية الواعية الهادفة.
وتبرز الحاجة الى ما ندعو اليه بإلحاح اشد حين ندرك أن أدوات تشكيل العقل الجمعي اليوم لم تعد مقصورة على زوايا المساجد أو مقاعد المدارس فقط، بل تعدتها الى شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، والخوارزميات، والتكرار الممنهج للأفكار السلبية والمقيتة الهدامة. الفكرة التي تتكرر، حتى مع وضوح كونها سخيفة على المستوى الفردي، الا انها جماعيا تتلقى قبولا وتكتسب زخما وسلطة مع الزمن, بعد طول الترديد المستمر المقصود الممنهج. والنتيجة ان الفكرة السيئة تلبس ثوب القبول وترتدي عباءة العرف وتتعطف بالقانون وتتحزم بالسوشيال ميديا. من هذه الزاوية سوف يصبح الصمت الفكري المجتمعي جريمة غير مباشرة، حين ينئ اللقاح الفكري المضاد بنفسه عن التدخل والتصحيح. حينها يستمر الفراغ ويتم ملئه بما يصح ومالا يصح. انها الفرصة المواتية التي يقتنصها اهل الذمم الخبيثة في تمرير اهدافهم المريضة ومعتقداتهم الفاسدة. القاعدة الفيزيائية تقرر عدم إمكانية وجود الفراغ حتى وان كان فراغا ذهنيا جمعيا، فلا بد من ملئه بما هو جاهز وسهل وسريع. حذاري من ان يملا بالسخافات.
إعادة هندسة العقل الجمعي ليست مشروع نخبة مجتمعية محددة، انها مسؤولية مشتركة. تبدأ من الفرد حين يراجع قناعاته، ويتواضع أمام جهله وتقصيره وعدم مبالاته بمجتمعه، ويقبل أن يغيّر رأيه بعدما يتبن له انه الحق. ثم تمتد إلى الأسرة، حين تتحول من بيئة أوامر ونواهي إلى مساحة للحوار والنقاش والتعايش والتغيير والتكامل. ثم إلى المجتمع، حين تُكافأ فيه الفكرة الجيدة في قبالة الصوت العالي، ويُحترم الاختلاف بدل ان يُقصى ويحارب.
نعم، لن تنجح هذه الهندسة دون وجود تأصيل لبعدٍ قيمي. فالعقل، إن لم يُضبط بالأخلاق، قد يصبح أداة تبرير بدلان يكون عامل رشد وهداية. لذلك كان الغرض من ارسال الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم في صميمه هو نمط من إعادة هندسة العقل الجمعي الجاهلي عبر نقله من عبادة الاصنام وطاعة الطواغيت إلى عبادة الله وحده دون سواه. نقلة فكرية جماعية من مقت العصبية إلى حب وتطبيق العدالة، ومن التقليد الأعمى إلى التفكر في آيات الله ومخلوقاته.
ختاما, فان ما ننادي به هنا من إعادة هندسة العقل الجمعي ليست دعوة صاخبة انية مستعجلة، لأنها تتطلب عملية هادئة طويلة النفس تشبه الى حد بعيد إعادة ضبط بوصلة السفينة كلما تاهت في عرض البحر. قد لا يلاحظ ركاب السفينة مدى وزاوية وقساوة التغيير لحظيا، لكنهم بعد زمن سيدركون أنهم لم يعودوا يسيرون في الاتجاه الخاطئ. اذن يا صديقي المشكلة ببساطة لا تكمن في أن نخطئ الطريق، المصيبة هي في أن نعتاد الخطأ حتى نظنه قدرًا محتوما غير قابل للتغيير (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).