مقالات

مقالات: سوء النية ومحاكمة النيات

بقلم: جواد المعراج

حسن النية هي من الصفات الجوهرية التي يتصف بها الإنسان وتعتبر صفة قوة وليست صفة ضعف أو سذاجة، إلا إذا كان فيها إفراطا أو تجاوز الأمر عن حد المعقول، فمن هنا يمكننا القول إنها تحولت إلى ضعف يجعل الإنسان فريسة سهلة لأصحاب النفوس الضعيفة التي تحاول استغلال نيات البشر من خلال زعزعة طمأنينتهم وثقتهم بأنفسهم.

إن محاكمة نيات الناس عن طريق إساءة الظن بهم لكفيل بغرس الكراهية والحقد في النفوس تجعل الفرد يسيئ ويشكك دائما في نوايا من حوله، مما يؤدي ذلك إلى خلق حالة من الانفعال والتفكير المشوش وضعف القدرة على ضبط النفس.

لا شك ولا ريب أن هذا الوباء الاجتماعي يقود إلى القضاء على مبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي، ويزرع الأفكار السلبية في العقول بسبب سوء الظن الناتج عن سوء النية، الأمر الذي يفسر وجود أناس يركزون دائما على سلبيات أو عيوب غيرهم ولا يرون ما يحملونه من عادات إيجابية، عن الإمام علي ( عليه السلام ): " سوء الظن يفسد الأمور ويبعث على الشرور "، وعن الإمام علي ( عليه السلام ): " ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا ".

إن التركيز على السلبيات بشكل عام تحرم المرء من صفاء العيش وتسبب له أمراضا معنوية بينما التركيز على الإيجابية يساعد على رؤية الجوانب المشرقة في الحياة، فكن إيجابيا تصنع الجمال والسعادة في أيامك وتزرع الورد في دروبك.

ان الإفراط في اتباع هوى النفس لدى الإنسان يعد سببا يجعله يحاكم نيات الناس نتيجة لسوء الظن بهم، لأنه يتخذ أسلوب الحكم السريع على الغير بحسب هواه دون أن يتعرف عليهم أو يتحدث معهم، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }، هذا النوع المزاجي من الأشخاص لا يتورع فقط بالحديث السلبي عن من يكرهه ويبغضه، بل قد يتهجم عليه لإنه لم يدخل مزاجه، ولهذا السبب هناك أشخاص يتجنبون الدخول في علاقات مع أصحاب النيات السيئة ابتعادا عن كل ما يكدر صفو الحياة وما يوجد فيها من الجوانب الجميلة والعلاقات الإيجابية التي تهدف إلى تقديم المساعدة والعون ومشاركة البشر في تصحيح أخطائهم وأوضاعهم عن حسن نية.

صحيح إنه يوجد اختلاف بين الشخصيات والعقول والنفسيات والأمزجة، ولكننا نحن البشر – دون استثناء – بحاجة ماسة للتعاون والتفاهم والتعايش بينا حتى تبرز لدينا لوحة الإبداع والموهبة المشرقة، وإذا ذكرنا الموهبة والإبداع فإننا نقصد أن لكل إنسان القدرة على التعبير عن فكرته ورأيه ووجهات نظره ما دام الأسلوب محترم، ولكن لا يسمح له إطلاق الأحكام المتسرعة والقاسية التي لها دور في التهجم والإساءة للآخر.

التعلم على ترويض النفس بالتدرج عن طريق ممارسة رياضات روحية خاصة موجودة في مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) والعلوم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والنفسية والسلوكية. وبالمختصر هناك ثغرات وحلول كثيرة تساعد الشخص على التخلص شيئا فشيئا من الأمراض المعنوية التي يعاني منها، بالإضافة إلى ذلك، أن التصالح مع النفس يمكن الإنسان من تحسين نيته وتصحيح أخطائه وترتيب أفكاره وتجميل أخلاقه حتى يرتقي ويخلق حالة من الاستقرار والتوازن بين ذاته وعلاقاته الاجتماعية، عن الإمام علي (عليه السلام): " من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة ".

وبخصوص صفة سوء النية حاذر أن تزرع هذه الصفة السيئة في شخصيتك، لإنها تتحول يوما بعد يوم إلى غريزة متمكنة من الإنسان ومن ثم تصبح سلوكا طبيعيا في مراحل حياته، وما أحاول أن أبينه أكثر من هذه المقالة هو أن من الأفضل بل من الواجب الشرعي والأخلاقي أن يتصف المرء بهذه الصفة ويحسن الظن بالأطراف الأخرى ولا يستعجل بالحكم عليهم، وذلك كي لا يقع فريسة للشيطان والهوى، الذين يحاولون استدراجه في سبيل تخويفه وتحطيم نفسيته.

اترك تعليقاً

نص التعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق