مقالات

📖 الاختلاف من أول كلمة !!

✍🏼 تركي العجيان

تفرض طبيعة الحياة، بما فيها من تداخلٍ إنساني وتواصلٍ فكري، قدرًا من التجاذب بين الناس. ويبرز هذا التجاذب بوضوحٍ حين يطرح أحدهم فكرةً أو رؤيةً، سواءً أكان ذلك في حوارٍ، أم خطابٍ، أم مقالٍ، أم فكرةٍ، أم مداخلةٍ في نقاش عام.

وما أن تُطرح الفكرة حتى تستقبلها أذهانٌ متعددة، لكلٍّ منها طريقةٌ مختلفة في القراءة والتفاعل. فمن الناس من يغلب عليه القبول المطلق، ومنهم من يغلب عليه الرفض المطلق، غير أن حديثنا في هذا المقال لا يتناول هذين الطرفين، وإنما يتجه إلى فئةٍ تقف مع الفكرة وقفة تأمل، وتسعى إلى قراءتها ومناقشتها.

ومع ذلك، فإن هذه الفئة نفسها لا تتعامل مع الأفكار بالطريقة ذاتها؛ إذ تتفاوت قراءاتها، وتختلف مناهجها في الفهم، وتتباين طرائقها في التفاعل مع المتحدث وما يطرحه.

ومن هنا يأتي هذا المقال؛ ليسلط الضوء على عددٍ من الصور التي يتشكل من خلالها الاختلاف منذ اللحظة الأولى في تلقي الفكرة.

هيمنة الحكم المُسبق
إن أخطر ما يواجه أيَّ حوارٍ أو نقاشٍ هو أن يدخل أحد الطرفين إليه وهو يحمل حكمًا مسبقًا تجاه الآخر أو تجاه الموضوع. ففي هذه الحالة لا يكون استماعه أو حديثه حقيقيًّا، وإنما من خلال ذلك الحكم الذي استقرّ في الذهن، شاء أم أبى. وإذا لم يمتلك من الوعي ما يمكّنه من تجاوز هذا الحكم المسبق، فلن تكون هناك جدوى من النقاش؛ لأن النتيجة قد حُسمت قبل أن يبدأ الحوار.

فمثلًا، إذا كان المستمع يرى في المتحدث أنه متطفلٌ على المجال الذي يتحدث فيه، فإنه سيستقبل كلَّ كلمةٍ على هذا الأساس؛ فيرى أن كلامه لا يصدر عن معرفةٍ أو بصيرة، ومن ثم يفقد حديثه قيمته في نظره، مهما كان متماسكًا أو صحيحًا.

وكذلك حين يكون حكمه المسبق متعلقًا بالموضوع، فإنه لن يناقش ما يُطرح أمامه، بل سيناقش الصورة التي يحملها مسبقًا عن ذلك الموضوع، وحينئذٍ يصبح الحوار مع حكمه السابق، لا مع الفكرة المطروحة.

ومن نماذج ذلك ما يُروى في حياة الإمام الرضا “عليه السلام”، حين جاءه رجلٌ يسأله عن سبب قبوله ولاية العهد، وقد أخفى خنجرًا تحت كمِّ ردائه بعدما حسم حكمه مسبقًا، وظن أن الإمام لن يمتلك جوابًا يقنعه. فلما وقف بين يدي الإمام، كشف له الإمام ما أخفاه، وأظهر له أن حكمه قد سبق سؤاله، وأنه جاء ليحاكم لا ليفهم، وكانت تلك بداية تحوّل الرجل عن يقينه السابق.

وكذلك الحال حين يكون المتحدّث هو من يملك حكمًا مسبقًا سواءً عن الموضوع الذي يتحدث فيه أو عن الأشخاص الذين يُحاورهم، فهو هنا لم يأت للنِّقاش، بل لإثبات رأيه وليس لاختبار صحته.

ومن هنا فإن الحكم المسبق، سواءً كان تجاه المتحدث أو تجاه الموضوع، وسواءً كان من قبل المتحدث أو المستمع، يُغلق باب الحديث قبل أن يُفتح، ويجعل الحوار ينتهي قبل أن يبدأ.

تغيير مسار الموضوع

حين يكون هناك نقاش بين طرفين، فإن المتحدث يبني حديثه ضمن مسارٍ معين، ويعرض فكرته وفق الإطار الذي ينطلق منه. وفي المقابل، إذا تلقى الطرف الآخر هذا الحديث من خلال مسارٍ مختلف، فإن الاختلاف بينهما يتشكل قبل أن يبدأ النقاش؛ لأن الموضوع لم يعد يُناقش ضمن مساره الأصلي، وإنما انتقل إلى مسارٍ آخر.

فما يُطرح ضمن مسارٍ معين لا يصح أن يُناقش باعتبارات مسارٍ آخر؛ لأن لكلِّ مسارٍ منطلقاته، وأدواته، وأهدافه، ومعاييره. واختلاف المسارات في حدِّ ذاته ليس إشكالًا، وإنما الإشكال أن تُنقل الفكرة من مسارها، لتُناقش وفق معايير لم تُطرح في إطارها أصلًا.

ولتقريب الصورة، إذا كان الحوار بين زوجين يدور حول مسؤولية الأبناء، ثم حوّل أحد الطرفين الحديث إلى سلوك الزوج أو الزوجة، أو إلى خلافاتٍ سابقة لا علاقة لها بالموضوع، فإنه يكون قد غيّر مسار النقاش، فأصبح الطرفان يتحدثان في قضيتين مختلفتين، وضاعت القضية التي بدأ الحوار من أجلها.

وكذلك في الحوارات الفكرية؛ فقد يكتب أحدهم من منظورٍ قيمي أو ديني، فيأتي من يحاكم طرحه بمعايير تجريبية بحتة، أو أن يكتب أحدهم من منظورٍ تربوي، فيطالبه آخر بمعايير قانونية، أو أن يطرح أحدهم رؤيةً فكرية، فيُناقش وكأنه يقدم بحثًا أكاديميًا.

وليس الخطأ هنا في اختلاف هذه المسارات، وإنما في نقل الموضوع من مساره إلى مسارٍ آخر، ثم إصدار الأحكام عليه وفق معايير ذلك المسار.

ولذا فإن أول خطوةٍ في أيِّ نقاشٍ منصف هي فهم الموضوع ضمن المسار الذي طُرح فيه، ثم مناقشته من داخل ذلك المسار. أما تغيير مسار الموضوع، ثم الاعتراض عليه باعتباراتٍ لم ينطلق منها أصلًا، فإنه يفقد الحوار قيمته، ويصرفه عن غايته.

إغفال مقصود المتحدّث
إن أصعب ما يواجه المتحدّث أن يُفهم حديثه على غير المعنى الذي قصده. وبغض النظر عن سبب هذا الفهم، فإن الخطأ في فهم مقصود المتحدّث كفيلٌ بأن يُفسد النقاش من بدايته؛ لأن الحوار لن يكون مع الفكرة التي طرحها، وإنما مع فكرةٍ أخرى كوَّنها المتلقي في ذهنه.

ولهذا فإن أول ما ينبغي على من يريد مناقشة أي موضوع هو أن يتبين مقصود الطرف الآخر قبل أن يبدأ في مناقشته. وأبسط طريق إلى ذلك أن يسأله: هل تقصد هذا المعنى؟ فإن أجاب بالإيجاب، بدأ النقاش على هذا الأساس، وإذا أجاب بالنفي، كان السؤال الطبيعي: إذن ماذا تقصد؟ ثم يُبنى النقاش على ما يقرّره المتحدّث، لا على ما يتصوره المتلقي.

ومن الأخطاء الشائعة أن يصرَّ المتلقي على أن المتحدّث يقصد معنى آخر، ويُرجع نفيه إلى التورية أو المجاملة أو غيرهما من الاحتمالات. وهذا يقطع الطريق على أي حوارٍ جاد؛ لأن الإنسان لا يُناقش على ما يتوهمه الآخرون، وإنما على ما يصرح به ويبينه من مقصود.

فإذا قال المتحدّث: ليس هذا ما أقصده، انتهى ذلك الفهم، وأصبح الواجب أن يُناقش وفق المعنى الذي بيَّنه هو، لا وفق المعنى الذي أصرَّ غيره على نسبته إليه.

ولتقريب الصورة، قد يلقي أحدهم خطابًا عامًا، فيفهم بعض الحاضرين من كلامه معنى لم يرده أصلًا، ثم يبني على هذا الفهم نقدًا حادًا، أو يطلق أحكامًا على شخصية المتحدّث أو فكره؛ والحقيقة أن هذا النقد لا يكون موجهًا إلى كلام المتحدّث، وإنما إلى الفهم الذي كوَّنه الناقد في ذهنه.

ولذا، فإن من أدب الحوار أن يُبنى النقاش على مقصود المتحدّث، لا على فهم المتلقي.

ومن هنا يمكن أن تكون القاعدة الذهبية في الحوار: تبيَّن المقصود .. قبل أن تُناقش.

وفي نهاية المطاف؛ إن هيمنة التصور المسبق، وتغيير مسار الموضوع، وإغفال مقصود المتحدّث، ليست مجرّد أخطاء في الحوار، بل هي أسبابٌ تجعل المتحاورين يبتعدون عن الغاية الأساسية من الحوار والنقاش؛ فبدل أن يكون الحوار طريقًا إلى الفهم، يتحول إلى ساحةٍ للدفاع عن التصورات، أو محاكمة مساراتٍ لم تُطرح، أو مناقشة معانٍ لم تُقصد أصلًا؛ وحينئذٍ لا يكون الاختلاف مع الفكرة، وإنما مع ما صنعه كلُّ طرفٍ في ذهنه عنها.

زر الذهاب إلى الأعلى