مقالات

*من عبق الماضي: مفردات من الذاكرة الشعبية في القطيف*

🖍️ حسن محمد آل ناصر

——————————–

لهجتنا معظمها فصيحة *** ألفاظها أو كلها صحيحة

وأن تجد فيها من الدخيل *** فكله أقل من قليل

اخترت هذه الأبيات من ارجوزة “قصة القديح شعرا” لسيدي الوالد حفظه الله لتكون مقدمة لهذه المقالة وليس لغرض تحليلها شعريا، بل لأنها تجسد روح اللهجة القطيفية وأصالة ألفاظها وتشكل تمهيدا طبيعيا لسرد المفردات والتعابير الشعبية التي سنعرضها في هذا السياق.

في ماضي القطيف لا تستعاد الحكايات وحدها لكن هناك تستعاد الأصوات التي يلفظها الناس وهم يتبادلون الحديث بلهجتهم الدافئة “اللهجة الدارجة أو العامة” التي كانت تنبض بالحياة في كل زاوية من زوايا الفريق “الفريج” وفي كل شارع “رسته” تمتد بين البيوت الطينية ولم تكن الكلمات مجرد أدوات للتخاطب بالعكس من ذلك كانت جزءا من هوية المكان وروحه.

اللهجة القطيفية قديما كانت مرآة صادقة لحياة البساطة التي يتقاسم فيها الناس تفاصيل يومهم منذ الفجر حين يبدأ النهار “بالجدوع” ذلك الفطور الذي يجمع أفراد الأسرة حول مائدة متواضعة حينما يقدم فيها “الجاي” المحلى ب “الشكر” أي الشاي المحلى بالسكر، وتدور الأحاديث الخفيفة قبل أن ينطلق كل إلى شأنه، هذه المفردات لم تكن منفصلة عن الفعل اليومي، بل كانت تحكيه وتشكله حتى باتت من الذاكرة الجماعية التي يصعب فصلها عن تضاريس العيش.

وفي الحي “الفريق” حينما يلعبون الأطفال والرجال يتبادلون الأخبار، أجل كان للغة حضورها الخاص عندما يمر احدهم على “الدروازة” بيت مفتوح ترى المار يلقي التحية وتبادل السلام والحديث الطفيف العابر، وأن ضاقت الطرق وظهر منفذ صغير سمي “زرنوق” زقاق في وصف دقيق يعكس علاقة الإنسان بالمكان، هذه التسميات لم تكن اعتباطية لكنها جاءت من احتكاك يومي طويل يصاغ بها المفردات الدقيقة لتعبر عن ادق التفاصيل آنذاك.

اما حين تشتد حرارة الصيف كان الناس يصفونها “خواهر” كلمة تختصر شعور القيظ الذي يلف الأجساد ويثقل الأنفاس عندها تدار “البانكة، المروحة” لتلطف الجو ويفرش “الدوشق” المفرش في أماكن أكثر تهوية، وإذا أقبل الليل وانطفأت الأضواء حل “الحندس، الغتلة” في وصف شاعري للظلمة التي كانت تغطي الأزقة وهذا قبل أن تعرف الشوارع الإنارة الحديثة.

اما داخل البيوت فتتجلى حياة أخرى مليئة بالتفاصيل الصغيرة، فمثلا “الروزنة” تلك الفتحة في الجدار ووظيفتها مثل الخزانة تؤدي حفظ الحاجيات اليومية من أدوات الزينة البسيطة كالمشط والكحل أو بعض الأغراض التي يحتاجها أهل الدار، وفي غرف النوم هناك “البلنق” سرير يوجد خصيصا لبيوت حديثي الزواج حيث يعد السرير جزءا من طقوس الحياة الجديدة ويندرج معه في الامتداد “الدوشق” جمعه دواشق وهو مفرش يطرح على الأرض في بقية أرجاء البيت لتستوعب أفراد الأسرة.

وفي المطبخ تتشكل ملامح الضيافة من أدوات تحمل أسماء خاصة ك “الخاشوقة، الكمشة” للمعلقة سواء الكبيرة أو الصغيرة، و”المشكاب، الغنجة” للأطباق، و”البادية، الغضار” تطلق على صحون الأواني لتقديم وفي كل اسم منها يحمل نغمة خاصة تلفظ بعفوية وتستخدم يوميا دون شعور بغرابتها لأنها جزء من النسيج اللغوي الذي نشأ عليه الناس.

وفي المجالس تمتد “السوالف” وتطول الجلسات فتأخذ اللغة طابعا حيا نابضا من تلك الحالات حين تذكرت إحدى النسوة أمرا فجأة تقول: “صمايل” وكأنها تعلن عن ومضة ذاكرة عابرة، وإذا ابدى أحدهم إعجابه بشيء قال: “جخه” وهي كلمة تختزل معاني الجمال والرضا، والتعجب المذهل فله نكهة كبيرة مع كلمة “نابله” كلمة خفيفة تقال بصدق دون تكلف.

ولم تخل اللهجة القطيفية من تعابير تحمل دلالات نفسية واجتماعية فإذا كان الشيء بلا جدوى قيل: “ويش خانته” وفي تعبير يحمل شيئا من الأسف أو الاستغراب، وإذا أراد أحدهم التهرب من أمر ما قال: ” مالي كار” أي ل شأن لي، واما “مدلخ” فكانت تطلق لوصف الغلظة أو الشدة وفي حين تعبر “عفر” عن الاحتمال أو الشك في سياق يعكس طبيعة التفكير اليومي البسيط.

والأسئلة أيضا كانت تحمل طابعها الخاص مثلا “هداوية، حق ويش” تقالان لمعرفة السبب وكأنها مفتاحا للفضول الذي يحرك الحديث، وإذا أراد احدهم الإشارة إلى القرب قال: “أدناة مسجد” تعبيرا عن المسافة القريبة التي لا تستحق عناء الشرح، وفي وصف الزمن تلفظ “شوين أو شوي زين” تقال للدلالة على فترة قصيرة لكنها طيبة وكأنها تلخص فلسفة الرضا بما هو صغير ومتاح وحتى الكلمات المرتبطة بالأشياء اليومية مثل “الدلاغ” للجوارب و”القز” للفرن هي أيضا كانت من هذا العالم اللغوي المتكامل الذي لا ينفصل عن نمط الحياة.

على اختلاف هذه المفردات إلا انها لم تكن مجرد ألفاظ تستخدم ثم تنسى، بل كانت تعبيرا عن ثقافة متكاملة تتجلى فيها علاقة الإنسان ببيئته وبمجتمعه وبنفسه، والبيئة المحيطة والعاكس المشترك من الاختلاط بين الشعوب فأن اللغة تولد من الحاجة وتنمو من التجربة وتترسخ من الزمن حتى أصبحت جزءا من هوية لا يمكن فصلها عن تاريخ القطيف، فلهجتنا معظمها فصيحة وأن يكن فيها من المصطلحات التركية أو الهندية أو الفارسية أو الغربية المختلفة، ومع تعاقب السنين وتغير أنماط الحياة بدأت هذه المفردات تنحسر شيئا فشيئا لتحل محلها ألفاظ أكثر حداثة ربما أكثر بساطة في النطق، لكنها أقل عمقا في الدلالة، نعم تبقى هذه الكلمات القديمة حية في الذاكرة تستدعى كلما أراد الناس استرجاع ماض كان بكل طقوسه وطلاسمه واكثر قربا ومصداقيه.

تأتي هذه المقالة من ضمن سلسلة “من عبق الماضي” وذلك بناء على طلب احد الأساتذة الكرام للحديث عن اللهجة القطيفة بوصفها جزءا أصيلا من تراثنا الشعبي، وقد حرصت في هذا الطرح على توثيق المفردات والتعابير باختصار موجز مع الالتزام بأمانة النقل والسرد التاريخي، ويمكن للمتخصصين والمهتمين الرجوع للكتب والمؤلفات المعنية بهذه الموضوعات للتوسع والاستزادة حفظا لهذا الإرث الثقافي ونقله كما هو للأجيال القادمة.

لم اعد شريط الذكريات لتك اللهجة بعجالة اليوم لمجرد حنين إلى الماضي فحسب لكنه حفظ لتراث لغوي يعكس هوية مجتمع كامل فكل كلمة من هذه الكلمات تحمل في طياتها قصة وكل تعبير يفتح بابا على زمن قديم لكنه لا يزال حاضرا في جدران من عاشه أو سمع عنه، تبقى لهجتنا القديمة بكل ما فيها من عفوية ودفء شاهدا حيا على زمن كانت فيه الكلمة تقال من القلب فتصل للقلب وتختتم بلحظات الحب والعشق وبكلمة واحدة تختصر كل شيء “غناتي القطيف” أي حبيبتي القطيف.

زر الذهاب إلى الأعلى