هل نحن في عودة الى حياة انسان الكهوف؟

✍️ حسين المحروس
———————
بالرغم من الصورة النمطية السائدة, فلم يكن إنسان الكهف مجرد كائن بدائي تحرّكه الغريزة، كما دأبت بعض السرديات السطحية على تصويره وابرازه. يجب ان لا نغفل حقيقة كونه إنسانا مثلنا يعيش صراعًا يوميًا مع بيئته القاسية، فلزمه ان يستجيب لتحدياتها بقدرٍ ملحوظ من الوعي والتكيّف والاندماج. الرشد يا صديقي لا يُقاس بزخم المعلومات، من الأولى ان “يمسطر” بقدرة الكائن على استيعاب المخاطر وتعديل السلوك وتحويل التجربة إلى معرفة عملية تحفظ البقاء, وتبعد المجانين والمعتوهين عن الصدارة.
تشير دراسات علم الإنسان القديم إلى أن صناعة الأدوات الحجرية مثلا لم يمكن ربطها بالعمل العشوائي او العفوي، على العكس تماما, اذ برهنت على وجود عملية ذهنية معقّدة. وذلك لأنها كانت تتطلب تصورًا مسبقًا لما سيؤول اليه الشكل النهائي للأداة، وتسلسلًا منطقيًا للحركات، وضبطًا دقيقًا للقوة والشد مع مراعاة زاوية التأثير. هذه العمليات المعقدة في نظر الانسان الاول اقترنت بالوظائف التنفيذية لدماغه. من هنا تبين جليا أن إنسان الكهف كان يفكّر قبل أن يفعل، ويختبر قبل أن يكرّر التجربة, ويستفيد من خطئه ويعدل سلوكه تبعا لذلك. وهذا برهان على شكل مبكر من التعقل العملي القائم على التجربة والخطأ والتصحيح.
ان من أبرز صور وعيه هو واقعية اختياره للكهوف مسكنًا وملاذا آمنا. فلم يكن ذلك مصادفة او عفويا ولا حتى من باب مجرد البحث الاضطراري عن ملجأ يحميه من المطر أو ملتجئا يقيه من خطر الحيوانات الكاسرة المفترسة. نجزم بضرس قاطع ان الكهوف أضحت انعكاسا لاستجابة ذكية ممزوجة بالتبصر والتفهم لمخاطر البيئة, من باب الوجدان. كما تميل بعض الفرضيات العلمية الى أن الغلاف الجوي في تلك الحقبة لم يكن قد بلغ استقراره الحالي، مما ترك الأرض تئن تحت وطأة الأشعة فوق البنفسجية والإشعاعات الكونية الضارة المتنوعة. في ذلك الظرف وفّرت الكهوف مأوى طبيعيًا يقلل من أثر هذه الأشعة، إلى جانب الاستقرار الحراري والحماية الشخصية للأفراد. لقد ميز “اخونا الكهفي” الأثر ورتب عليه النتائج، وإن لم يكن آنذاك قد تعرف بعد على مختلف الاسباب والمؤثرات بصيغتها العلمية المفصلة, بنفس الصعيد الذي نتدارسه نحن اليوم.
كما مثّلت لهم الكهوف فضاءً ملائما لتشكيل بذرة التواصل المجتمعي في صورته البدائية. فالعيش في مجموعات صغيرة فرض أنماطًا من التعاون وتقاسم الأدوار. الصيد بشكل جماعي، الحراسة الشعبية المتناوبة، بينما تبقى النار مسؤولية الجميع. هذا التنسيق لم يكن ليبصر النور لو كان قد ترعرع في ظل غياب الرشد الجمعي، بل انه كاشف لما كان يتطلبه من تفهم للعلاقة بين دور الفرد والجماعة، وخصوصية ترجيح المصلحة العامة على الخاصة واهمية المحافظة على “ايقونة” البقاء المشترك.
أما الصورة المشوهة عن تعرّي إنسان الكهف كإثبات على تخلفه، فيجب قراءتها ضمن سياقها الواقعي آنذاك لا من خلال العدسة الأخلاقية المعاصرة. فقد كان التعري عندهم ضرورة تلقائية جامحة بسبب ضآلة الحيلة وندرة أدوات النسج، وما كان قط خيارًا ثقافيًا أو تعبيرًا عن التحرر, كما عليه اغلب البشرية اليوم. ومع تطور مهارات الانسان الاول، اتجه تدريجيًا إلى التستر باستخدام الجلود والألياف واوراق النبات، إدراكًا منه لأهمية اللباس, علاوة على حاجته الوقائية وسلامته الفردية. فالستر عندهم ابتعد تماما عن مقصد القيمة التجميلية، وانحاز الى مهمة الضرورة الوجودية.
وهنا تبرز المفارقة جلية عندما نقارن هذا السلوك بما عليه الإنسان المعاصر الذي هو بالطبع أكثر تحضرا وخبرة. موضة التعري العالمي الحديثة ليست وليدة الاضطرار، بقدر ماهي نتيجة الافتقار للمنطق والعقل والحياء. مع ان الإنسان المعاصر يمتلك المعرفة والتقنية، لكنه وياللعجب ينقصه رؤية دروب الصواب, لذا فلم يُحسن توجيه هذا الامتلاك. انظر الى التناقض والاضطراب بين السلوكين, بين من كان عاريًا لعجزه وافتقاره وقلة حيلته وهو مع ذلك قد سعى إلى التستر، قارنه بمن هو يمتلك اليوم كل ضروب الستر ومع ذلك يصر على التخلي عنها بإرادته, بل ويلح على المضي قدما في الاتجاه المعاكس.
ختاما, تكشف صور وعي إنسان الكهف أن التأقلم مع البيئة يتطلب عقلا وحكمة بعيدا عن الترجل والفوضى. لنتعلم مما واجهه الإنسان الأول من اخطار الطبيعة وكيف تسلح بالملاحظة والتجربة، بعيدا عن الاندفاع والهمجية. ان اندماجه لم يكن خضوعًا للبيئة بقدر ما كان تفاهمًا وانسجاما وانصهارا واندكاكا بل قل وتساكنا معها، في تفاعل قائم على معرفة الحدود واحترام السنن.
يبقى التأمل في تجربة إنسان الكهف طريق لان ننصف الماضي ونراجع الحاضر ونجيب على هذا السؤال الجوهري الجريء, هل تطورنا في وعينا بنفس قدر تطورنا في أدواتنا؟ الصراع من اجل البقاء سنة كونية، يتخلله التكيّف تحت سقف العمل الواعٍي. وعي جمعي قد يفصل بين البقاء والفناء.