مقالات

الفكرة … أهو تعثر أم تبعثر؟

✍️ حسين المحروس

———————

جلست على مكتبي، ورقة بيضاء أمامي، وقلم بين أصابعي. شطح ذهني قليلا نحو الفيزياء متسائلا, هل حقا انا امسك بالقلم, وهل راسه يرتمي في حضن الورقة؟

تيقن لي لوهلة اننا نعيش داخل خدعة كبرى اسميناها «اللمس». نضع أيدينا على الأشياء، نمسك نضغط نحتكّ، فيخيل إلى عقولنا جزافا أننا على تواصل وتماس مع العالم من حولنا. بيد أن الفيزياء لها راي اخر يبدد هذا الوهم, لا شيء في هذا الكون يستطيع حقا ان يتماس ويلتصق مع الاخر. ان بيننا وبين كل ما حولنا تكمن مسافة مجهرية جامحة وعنيدة، من ذرات تتنافر، وإلكترونات تتباعد, بميزان دقيق من القوى. فلا شيء يتداخل في صميم شيء اخر, فضلا عن تعقل مجرد الملامسة. وبالرغم من ذلك, فإننا اصطلاحا نكتفي باستشعار لطيف يوهمنا بالترابط, مع ان الحقيقة المريرة هي ان أقصى ما نصبوا اليه هو غاية القرب من دون وهم التلامس.

بنفس منطق الخديعة نفسه نحاول قدما خلق جو من التواصل بالأفكار من خلال الكتابة مثلا, من دون تحقق واقعية الاندماج الفكري.

يا للدهشة! فقد ساد في الغرفة من جديد صمت رهيب وفي الأثناء يلفها شيء من الترقب والفضول. وكفكرة قاصرة بدأت تتشكل في عقلي، نعم في طياتها هشة، لكنها تحمل في بواطنها وعدًا صادقا. رفعت القلم ببطء، كأنني أخشى أن أزعج كيان فكرتي، خشية أن أفقدها قبل أن تبصر النور. شعرت بحرارة خفيفة تسري في راحة يدي، رائحة الحبر، صوت زحف القلم على الورق وهو يشق طريقا يشبه ما نعانيه من شق مختلف طرائق الحياة. كأن كل شيء حولي يهمس, لعل الحياة في بعض جوانبها تتداخل وتتلامس بوجدان لا يُرى إلا بالعين الباصرة؟

كتبت السطر الأول ثم الثاني, بينا كل حرف يمرّ عبر أصابعي وكأنه يترك بصمته الخاصة في العالم حولي، وكأن الخاطرة نفسها بدأت تنبض وتتنفس. قصيرة، لمست فيها أن هذه الفكرة هي ملك خاص لي وحدي، ناصعة حاضرة بلا أي تشويش وبلا اية تداخل خارجي. لكن، كما كل الأشياء الجميلة، لم تدم هذه الحالة من الصفاء طويلًا, ما لبثت ان تلاشت قبيل الانتهاء من روح النص.

استأنفت معاناتي من جديد حين حاولت نقل الفكرة اليك قارئي العزيز. بدأ التشويش والضجيج الخفي يتسلل لهالة الخاطرة وحياضها, فغدت كالطائر الذي للتو قد أفرج عنه. شعرت بالخوف عليها, فأنى لي بقفص ذهبي يستوعبها ريثما ينجلي الغبار؟ كان وجلي يتدفق من زاوية الكلمات نفسها التي قد تصيب معنى مختلفًا لدى من يقرأها. هل ستؤثر تجارب القارئ السابقة فتعيد صياغة المعنى الى ركن مغاير عن ذاك الذي انا قصدت؟ هل سيكون لأمزجة يومه ظلا فتحجب جزءًا من الصورة التي وددت رسمها؟ أحيانًا أشعر أن الكتابة في صميمها هي طيف من صراع صامت. فبينما أنا أرسلها، انتظر أن تلج الفكرة بهدوء الى ذهنك، بينما انت على الجانب الاخر قد لا ترى الا النزر اليسير من اللوحة الكاملة، أو قد تفسرها بمنطق متباين عما اردت. أو ان شئت فقل ربما (فيما يندر من حالات) قد تصفق انت الباب بعنف في وجهها قبل أن تصل هي إليك.

ومع كل محاولة، تتكشف معاناة الكاتب من جديد, فالشك يساوره باستمرار، خوف من سوء الفهم، او من ضياع جزء من المعنى، ومن أن تصطدم خواطره بجدار هلامي لا يراه إلا هو. كأنك تصرخ من نافذة صغيرة، فيسمع صداك شخص في الخارج، لكنك لست متأكدا ولست ابدا على يقين مما قد وصل اليه فعلا من جواهر مبتغاك وهمسات رسائلك. كل مرة أكتب فيها، أشعر بثقل الكلمات على صدري، بحجم الفراغ الذي قد يتركه الفشل في إيصال الرسالة الجلية. اعي تماما حقيقة أن لكل كلمة حياة وروح وبصمة ونبض ونفس خاص بها، لا يمكن ان تصل الكلمة للقارئ بجميع تفاصيلها ببصمتها بجسدها بروحها إلا لمن أصر على ان يقرأها بعين باصرة وقلب مفتوح.

من هنا شدد القرآن الكريم على ضرورة التفكر في الآيات وليس مجرد قراءتها والانشغال بالتغني بصوت من يلحنها.

عودا على بدء، فبالرغم من كل ذلك التشويش، انصافا لا يحسن ان نغفل ان هناك جمال ومتعة ولذة في خضم اتون تلك المعاناة ذاتها. إعادة صياغة المحتوى هو تثبيت لحقيقة ان كل سطر يحمل على عاتقه مهمة فك شيفرة بعينها تكمن في خلد القارئ. بل ان كل لحظة صمت بين السطور, هي انعكاس لتردد الكاتب وحيرته قبل أن يصوغ الجملة اللاحقة. انه تعبير عن مستوى من التجرد الذي ينتاب الكاتب ليمنح الفكرة فرصة اطول للبقاء في ذهن قارئه. لعلك تتفق معي على اهمية أن تصل لك الأطروحة متوازنة، والأولى من ذلك أن نبدأ السردية في تعبيد طريق الحضور والتواصل الذهني بين القارئ والكاتب. وذلك بغية ان تترك أثرها فيه، وأن تفتح نافذة في نفسه ليرى ما تعمد كاتبه عدم البوح به. نجمل فنقول ان الفكرة يا صديقي قد ينتابها ضرب من التبعثر في الطريق، مع ما ينتابها من ضوضاء وضجيج, ولكنها ستظل حية في ذهنك، كنبع زلال يصر على التدفق، مهما حاولت معوقات التحاور إيقافه.

الكتابة إذن لا ينبغي ان تختزل في مهمة نقل المعنى ميتا اصما بدون أدني روح, فمع كونها رحلة بين عقلين وروحين نابضتين، تصبح المسؤولية المشتركة لكل من الكاتب والقارئ اشد عمقا وأكثر الحاحا لدى محاولة فك الشفرات بين الحروف وبين ما يختبئ خلفها من معان صافية. ذلك مع كون البرزخ بين الوضوح والتشويش، والغشاء بين الصوت ورتابة الصمت يتمازجان لاكتمال الصورة ووضوحها. رحلة تحرير الفكرة، مهما تبعثرت، ستبقى طرية حية، تنتظر من يفهمها، ومن يستنطقها، ومن يمنحها الفرصة بأن تصبح جزءًا من وعي المجتمع وسلوكه.

وفي النهاية، يدرك الكاتب أن تبعات فشله في إيصال جميع أجزاء مكونات فكرته ليس كارثيا، بقدر ما هو تجربة ودرس عملي. درس مجاني في الصبر والتقدير والصمت بعمق، وفي استيعاب أن هذا الهاجس، من التبعثر، لا يلبت ان يحمل في طياته حيوية تفرض نفسها على الوعي الجمعي. هو واثق من ان أفكاره سوف تستمر لاحقا في الانبعاث من عقل إلى عقل، ككنوز لا تنبض، حتى وان خفت وهجها لبرهة يسيرة. تذكر ان جل ما يرنو اليه الكاتب هو أن تكون هناك لحظة واحدة، ومضة قصيرة من نور، تصل فيها خاطرته إلى قلب قارئ واحد على الأقل، لتبدأ دورة التغيير والتأثير.

زر الذهاب إلى الأعلى