مقالات

(فلينظر الإنسان إلى طعامه)

✍️ حسين المحروس

—————–

سوف نتحدث في هذا المقال عن الطعام بشقيه, طعام المعدة وطعام العقل, وكيف انه تم التلاعب بكليهما عالميا. سنسلط الضوء على نقطة عمياء في اللاوعي الجمعي ساهمت في تبلور “الانسان المصطنع” جسما وعقلا, شكلا وجوهرا, معدة وتفكيرا. بالمناسبة ما دمنا نتكلم عن نوعية الطعام, يجدر بنا ان نشيد بالسردية الجديدة التي أصدرتها بالأمس منظمة الصحة العالمية, وما ينصحون به الان كهرم غذائي جديد بعد التحديث. أكثر يا صديقي من تناول الخضروات ثم اللحوم والفواكه والدهون الصحية وقلل من النشويات و (تقريبا) ابتعد تماما عن السكريات.

يتسم عالم اليوم بالسرعة لذا فهو يرزح تحت تبعات “الطعام المصطنع”. من هنا أصبحت الدعوة إلى النظر بتأمل, والوقوف بعمق, على نوعية الطعام ومصادره وطريقة إنتاجه وتحضيره ضرورة وجودية ماسة بعد ان كانت سابقا مجرد مسألة صحية كمالية عابرة, من قبيل الرشاقة أو “الترف الفكري”. بالإضافة للطعام الذي يدخل المعدة، هناك البعد المعلوماتي بما يشتمل عليه من مجموع ما يُلقَّم به العقل الجمعي صباحا ومساء عبر السوشيال ميديا. وبين القوتين، يتخلق وعي الانسان وادراكه وتفهمه واستيعابه, او ان شئت فقل وبالمقابل لذلك تزداد ايضا حيرته وضياعه. يصاحب كل ذلك وبالتوازي, تعقيد الجانب الصحي والعقلي والروحي, وكل ما يرتبط بشؤون الحياة.

في العقود الأخيرة، تغيّر الطعام كليا في صورته ومضمونه كما وكيفا. بدأ بالخبز الذي لم يسلم, فهو لم يعد كما كان في السابق طبيعيا بل اضحى خبزا مصنعا. خبز قد تمت “هندسة التلاعب” بقمحه ففقد كل ما يرتبط بالخبز الطبيعي من طعم وفائدة. والادهى والامر انه اضحى بلا ميزة صحية تذكر وربما قد تحول الى سم قاتل. قاتل ذا أثر بطيء, على غرار بطء التدخين. “ومما يزيل القلب عن مستقره” ان الدجاج لم ينج من شباك التصنيع, فأمسى يُنتَج بسرعة تفوق دورة حياته الطبيعية. اما الحليب, ذاك الزلال الأبيض الذي كنا نضرب به المثل في النقاء والعفوية, واقترن في اذهاننا بالكالسيوم والعظام والنمو والقوة, لم يفلت من قبضة التحضير ايضا. آفة الجشع والطمع وسرعة الإنتاج العالمية حكمت عليه ان يُعالَج ليستطيل عمره الافتراضي بغض النظر عما قد يستلزم تبعا لذلك من تدن في قيمته الغذائية وفوائده الصحية. وبالنتيجة تمكن الانسان المصطنع (بكسر النون) من احراز زراعة مُسرَّعة، وإنتاج مكثف، وإضافات تُحسّن الشكل وتستغفل عمدا جل الفوائد الصحية. الثمن الباهظ يتجلى في ازدياد مستويات الارباك والخمول والكسل والمرض في بنية المستهلك. تدير الطرف فلا ترى الا اجساما اقل صحة، وأمراضا اعم انتشارًا، وعيادات أكثر ازدحاما, واضطرابات مجتمعية صامتة في تكدس مطرد مع الزمن.

لقد نادى الشرع المقدس حتى بح صوته ان (المعدة بيت الداء والحمية راس الدواء), فرفقا بالمعدة المسكينة. فهذه القارورة ما فتئت تستقبل غول التحوّل والتحور الجذري العالمي, والانحراف الغذائي الخطير. فهي بطبيعتها لم تميز يوما بين طعامٍ أُنتج بعناية، وآخر صُمِّم على عجل, مع كونها تسجّل وتختزن وتنفعل وتتمرض بالآثار المترتبة على الغذاء الغير مجد. ومع تكرار تناول الغذاء المصنّع، تمظهرت مشكلات الهضم، وارتفعت مؤشرات السكر والالتهابات والتعثرات الهضمية، وأصبح السقم حالة مجتمعية عامة. وبدلا من ان نضع اصبعنا على جذور الخلل, صرنا نتسابق وراء إحصاء الاعراض وتشخيص الامراض من دون تفعيل العلاج الناجع لأصل المرض والخلل. متى نتوقف عن إدارة النتائج؟ فالوقت يتطلب معالجة الأسباب. دواء بعد دواء، ونظام غذائي بعد نظام، دونما مراجعة جذرية لما تحتويه أطباق طعامنا من أصناف وكميات.

ومع الوقت، بدأت تتشكّل دائرة مغلقة محكمة للاصطناع الانساني. يعمل الفرد ليأكل، ويأكل فيمرض، فيضطر لان يعمل أكثر ليعالج نفسه. هذه الدورة المتقنة من التلهي والانشغال بالنفس ليست وليدة المصادفة. قف وتأملها بتمعن وستجد انها مصداق لمسار اقتصادي قائم على الاستهلاك العبثي المستدام. يتحوّل الشخص فيه من محور المنظومة إلى مجرد أداة مستهلكة في داخل ذات المنظومة نفسها.

غير أن الأخطر أن مفهوم التغذية نفسه قد توسّع. فكما تقتات المعدة، يتقوت العقل. وكما صنعنا الطعام هيا بنا نصوغ العقل ونهندس طريقة تفكير المجتمع بنفس المنطق والأسلوب. قفزة التصنيع الذكية هذه تنقلنا من الحقول الزراعية إلى الشاشات المشعة. لم تعد المعلومة تُقدَّم للمتلقي حتى يستوعبها ويحللها بعمق ودقة وحيادية, و لا يمنح له المجال لان يتقبلها او يرفضها. على النقيض من ذلك اذ تمت صياغتها وتغليفها وتسويقها واصطناعها حتى يمكن هضمها واستهلاكها بسرعة في خضم هذا العالم المصطنع المتسارع. تجد الخبر مختصرا، والرأي جاهزا، والمحتوى ممضوغا ومهضوما وما عليك سوى البلع والتصديق والتبصيم والتصفيق. مواصفات الخبر المطلوبة ان يكون سهلا، سريعا، مثيرا، مع ضرورة كونه مفتقرا لاي قيمة أو مصداقية.

السوشيال ميديا والإعلام العالمي لا يتركان للعقل وقتًا للهضم, فيُطلَب منك التفاعل قبل الفهم، والانفعال قبل التحقق. وكما امتلأت المعدة بما لا يُغذّي، بالمثل قد امتلأ الوعي الجمعي بما لا يفيد. والنتيجة عقل لفيفي مُرهَق، متقلب المزاج، سريع الانفعال، قليل التعمق, خاوي الوفاض, في خضم جيل من التائهين يردفون سيلا من المشهورين والمؤثرين.

وعليه فإن النظر إلى الطعام اليوم لم يعد خيارًا، بل هو مسؤولية مجتمعية. طعام المعدة يحتاج وعيًا بالمصدر والطريقة، تماما كما ان طعام العقل يحتاج وعيًا بالسياق والغاية. تذكر ان الجسد والعقل طرفان لمعادلة واحدة، إذا ما فسد أحدهما اختلّ الآخر بالتبع.

نختم فنقول, حين يُحسن الشخص اختيار ما يأكل وما يتلقى من معلومة، فانه قد يستعيد شيئًا من توازنه. وحين يتبصر في طعامه — معدةً وعقلًا — يقترب خطوة أكثر من استعادة إنسانيته المصطنعة المسلوبة، في خضم عولمة تتقن الاصطناع أكثر مما تتقن الانتاج.

زر الذهاب إلى الأعلى