مقالات

*من عبق الماضي: الراديو في الذاكرة التراثية لأهالي القطيف*

🖌️ حسن محمد آل ناصر

—————

قبل أن اشرع في الحديث عن عالم المذياع هذا الجهاز الذي عرفناه لاحقا باسم “الراديو” لابد أن افسح مساحة للذاكرة لتأخذني إلى تلك العلاقة الأولى التي نشأت بيني وبينه منذ الطفولة، فقد وعيت على وجوده في بيتنا “بيت العائلة” حاضرا بصوته وهيئته كأنه فرد من أفراد البيت لا يغيب ولا يستغنى عنه.

كان المذياع من أكثر الأجهزة قربا إلى نفسي وربما كان أول نافذة لي على العالم خارج جدران المنزل، كنت أراقبه وهو صامت ثم اندهش حين ينبض بالحياة فجأة يحمل تلاوة القرآن والأخبار والأغاني وحكايات الناس، ولا يزال هذا الجهاز حاضرا في حياة والدي الذي يعشق اقتناء التراث فتنوعت عنده أشكاله وأنوعه عبر السنين وكأن كل مذياع يحمل زمنه الخاص.

ومع مرور الوقت لم تنقطع علاقتي بهذا الكائن العجيب، بل تحولت إلى شغف مقيم فمتحفي الشخصي لا يخلو من المذياع، دون مبالغة إذ أملك نماذج متعددة بأحجام مختلفة وصناعات متنوعة لكل واحد منها صوته وملمسه وذاكرته، ومن هذا الارتباط العاطفي تنطلق هذه المقالة لا لتتحدث عن جهاز تقني فحسب لكن عن رفيق قديم شاركني العمر وسكن تفاصيل الذاكرة.

شكل جهاز الراديو أحد أهم التحولات الثقافية التي عرفها المجتمع القطيفي في النصف الأول من القرن العشرين، إذ لم يكن مجرد وسيلة لنقل الصوت، بل كان نافذة واسعة أطل منها على العالم، ووسيطا غير عبر كل الدول وغير أنماط السهر وطرق تلقي الأخبار وأسلوب التفاعل مع الأحداث الكبرى، وقد ارتبط حضوره الأول بالدهشة ثم بالجدل قبل أن يستقر في الوجدان الجمعي بوصفه جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.

تعود الجذور العلمية لاختراع الراديو إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين مهد علماء الفيزياء لفهم الموجهات الكهرومغناطيسية وصولا إلى تجارب البث اللاسلكي التي فتحت الباب أمام انتقال الصوت عبر المسافات، وما إن انتشر هذه الاختراع في العالم حتى وجد طريقه تدريجيا إلى منطقة الخليج ومنها إلى القطيف محمولا على أيدي التجار والبحارة والمسافرين.

دخل الراديو إلى القطيف في أجواء يغلفها الغموض والتحفظ إذ كانت فكرة خروج الأصوات من صندوق جامد أمرا يثير الريبة والاستغراب، فتناقلت المجالس أخبار هذا الجهاز العجيب قبل رؤيته وتعددت التأويلات حول ماهيته ووظيفته بين من رآه أداة لهو ومن عدة خطرا دخيلا على المجتمع وقد أدخل في بداياته بحذر وتداول في نطاق ضيق قبل أن يبدأ حضوره العلني شيئا فشيئا.

وكان الراديو في شكله الأول جهازا كبير الحجم يتكون من وحدات منفصلة تعتمد على البطاريات السائلة ويعلوه هوائي طويل يثبت فوق أسطح البيوت، وقد عرف بأسماء متعددة في الذاكرة الشعبية، عكست حالة الالتباس تجاهه مثل: الصندوق، السحارة، والساحر، والصنم، وغيرها من المسميات التي تعبر عن محاولة تفسير المجهول بلغة مألوفة.

ومع مرور الوقت بدأ الناس يتصالحون مه هذا الجهاز خاصة بعد أن تعرفوا على طبيعة ما يقدمه، فالراديو لم يكن صوتا غريبا لكنه حاولا للأخبار وناقلا للأغاني ووسيلة للمعرفة، ومع انتشار استخدامه تحول إلى محور اجتماع حيث تلتف العائلة أو الجيران حوله في أوقات محدودة في انصات جماعي يندر مثيلة في زمننا الحاضر.

تنوعت البرامج التي استقطبت اهتمام المستمعين فكانت نشرات الأخبار تحظى بمتابعة دقيقة لا سيما في أوقات الحروب والتحولات السياسية الكبرى، إذ أصبح الراديو المصدر الأول لمعرفة ما يجري خارج حدود المكان وكما لاقت البرامج الدينية اقبالا واسعا خصوصا تلاوات القرآن والدروس الوعظية التي كانت تبث في أوقات منتظمة وتلقى احتراما خاصا.

أما البرامج الغنائية والطربية فقد شكلت جانبا آخر من علاقة الناس بالراديو إذ تعرفوا من خلالها على أصوات عربية شهيرة وأغان أصبحت جزءا من الذاكرة السمعية تردد في البيوت و”البراحات” والمقاهي الشعبية، وكما وجدت التمثيليات الإذاعية طريقها إلى آذان المستمعين فكانت تتابع بشغف لما تحمله من تشويق وحكايات درامية.

واختلفت المحطات المفضلة باختلاف الأذواق والاهتمامات فاستمع الناس إلى محطات عربية وأجنبية تبث باللغة العربية مثل إذاعات الشرق الأوسط والمحطات البريطانية والتركية والألمانية والإيطالية التي كانت تفتتح بثها بعبارات شهيرة أصبحت مألوفة لدى المستمعين وقد ساهم هذا التنوع في توسيه الأفق الثقافي، وربط المجتمع القطيفي بما يجري في العالم.

ومع شيوع اقتناء الراديو صار وجوده علامة على الحداثة ومصدر فخر لمن يملكه حتى بات يحمل أحيانا إلى السهرات الليلية في “المقاهي الشعبية” حيث ينصب في مكان مرتفع ويرفع صوته ويتحول إلى مركز جذاب يجتمع حوله الناس ساعات طويلة، وفي هذه الجلسات لم يكن الراديو مجرد جهاز لكنه كان عنصرا فاعلا في تشكيل الحوار وتبادل الآراء.

وقد لعب الراديو دورا مهما في تشكيل الوعي السياسي والثقافي خاصة في فترات التحولات الكبرى في العالم العربي حيث انقسم المستمعون في تقييمهم للإحداث وتكونت اتجاهات فكرية متباينة غذتها البرامج التحليلية والخطابات الإذاعية، وكان الراديو حاضرا في قلب هذا التفاعل شاهدا على تشكل رأي عام محلي يتأثر بما يسمع ويناقشه.

لم يكن الراديو في تراث القطيف مجرد اختراع تقني إلا أنه كان تجربة اجتماعية متكاملة بدأت بالدهشة والرفض ثم انتهت بالألفة والاعتياد، لقد مثل انتقالا من السكون إلى الصوت ومن المحلية الضيقة إلى أفق أوسع وترك أثرا عميقا في الذاكرة ما زال يستعاد بوصفه أحد رموز التحول في حياة الناس وملمحا أصيلا من ملامح التراث الحديث في القطيف.

زر الذهاب إلى الأعلى