مقالات

البساطة …. في الحديث عن البساطة

✍️ حسين المحروس

————-

منذ مقاعد الابتدائي وحتى قاعات الجامعة، لم يكن التعليم يوما في نظر البعض سوى ثمة كومة من المعادلات المعقّدة, وما كان ابدا بالنسبة لهم بناءً هادئًا فوق أساسات بسيطة. الحق ان كل ما تعلّمناه – مهما بدا متشعبًا لاحقًا – كان يعود في جذوره إلى مفاهيم أولية بدائية بسيطة، كأن الكون نفسه مشيد على البراءة التي نقوم نحن البشر أحيانا وبلا مبرر, بتعقيدها.

فمثلا مفهوم الجاذبية بوصفها نزعة الأشياء للسقوط والانجذاب, الكبير يندفع للصغير، نحن ممسوكون ومشدودون نحو الأرض. ونحن صغارا, مع اننا لم نكن ندرك آنذاك لا قوانين نيوتن ولا انحناءات الزمكان الاينشتاني، لكننا استوعبنا لب الفكرة الاصيلة بيسر وعفوية: نعم هناك شدّ ورباط وثيق خفي للجاذبية, مع اننا لم نره ولكننا ميزنا أثره وترعرعنا في خضم تبعاته. ومع تقادم الأيام، وجدنا أن هذا القيد البسيط هو الذي يضبط حركة الكواكب، ويحكم قبضته بالمجرات، وبالنتيجة هو يحول دون تبعثر الكون. اذن ها هو قانون واحد، بدأ بملاحظة طفولية، ولم يكد ينتهي الا بهندسة كونية متكاملة.

ثم استكشفت الكهرباء؛ وفي شق منها تتخلل الكهرباء الساكنة التي ما فتئت تستحوذ على دهشتنا كلما لسعتنا عند مقابض الأبواب. كما كنا حينها نستمتع بما يتدلى من قصاصات الورق على أطراف المشط والمسطرة. اما النوع الاخر فهو الكهرباء المتحركة التي تضيء مصباحًا صغيرًا, وتدفئ ايدي الأطفال الصغيرة الناعمة. ومن فرق الجهد يتولد تيارا فيسري في المقاومة. تخيل معي, هذه الثلاث كلمات على بساطتها, كيف اخذت على عاتقها مؤونة تفسير كيفية عمل افق واسع من المحركات، والاتصالات، والشبكات التي تحمل أصواتنا وصورنا عبر القارات السبع. لعلك تتفق معي الان ان التعقيد ليس إلا صورة مبسطة لتكرار رتيب في ذات الفكرة المبدئية المحدودة (الذكية).

ماذا عن المغناطيس؟ كيف يمكن تصور ان قطعة حديد تنجذب (كالسحر) لأخرى, ذات شمال وجنوب, وبها يختصر مفهوم الاقتراب والنفور. من رحم ذلكم اللعب الطفولي استخلصت المحركات، والمولدات، وأنظمة الرفع، انتهاء بالتسجيل الصوتي. حق لك ان ترفع القبعة اجلالا لتلك الثنائية الثابتة التي صنعت حضارة تدور, فاستمتع الانسان بازدهاراتها المتنوعة.

حتى في مجال الكيمياء والأحياء، لم نكن لنبتعد كثيرا عن هذا النمط العفوي بجوهره الغريزي.

خذ مثال الفلترة عبر الأغشية النفاذة, تلك التي تسمح بمرور نوع بينما تحجب الجزيء الآخر. الا ترى كفكرة أولية، انها قادرة على ان تفسر كيفية عمل الكُلى في أجسادنا، ومحطات التحلية التي تغذينا بماء الشرب الزلال، وأنظمة التنقية المستخدمة في التطبيقات الصناعية المتطورة.

ماذا عن الخاصية الشعرية؟ هل ارتبطت في ذهنك بالنبات؟ كيف يتمكن السائل ان يصعد بالضد من اتجاه الجاذبية في أنبوب رفيع؟ ويكأنه مضخة ماء. كتجربة بسيطة، وكمفتاح لفهم كيفية صراع البقاء عند النبات، عندما ينتقل الماء من التربة، بيسر وصمت.

في منحى اخر, هناك الظاهرة الأسموزية التي يمكن تفهمها من خلال حركة الماء حال سعيه للتوازن الايوني. مبدأ بسيط قادر على فك لغز تضخم الخلايا الحية وانكماشها عبر حركة جزيئات الماء بين مسام الاغشية النفاذة، في تفسير مريح للغز بقاء الحياة نفسها عند الحد المطلوب بين الاعتدال والاتزان.

وهكذا وبنفس هادئ وبسيط، لا يختلف اثنان على ان الدين الاسلامي يستخدم المنطق والعقل في اثبات أصول الدين. فحتى لو لم يُبعث الله سبحانه وتعالى رسلا الى الناس، فإن قدرًا من السكون في التفكير، وتأملًا صادقًا في الوجود، كفيل بأن يقود العقل إلى الأصل الأول, بأن للكون خالقًا, من باب ان الأثر يدل على المؤثّر. وعليه فلا يعقل أن يكون هذا الاتساق البديع وليد المصادفة العمياء.

الخالق لابد ان يكون مختلفا عن خلقه، ولا يمكن إدراكه بالحواس، هنا تبرز الحاجة الى واسطة تُعرّفنا بالله، وتدلّنا على مراده وهم الرسل والانبياء, مشفوعين بالأوصياء والأئمة، استمرارًا للهداية.

ولأن الإنسان – بطبعه – قد يظلم، ويغفل، ويطغى إذا ما أمن العاقبة، فإن العقل السليم يقود إلى نتيجة بسيطة أخرى, تتمثل في أن خالق الكون لابد ان يتصف بانه حكيم وعادل. لا يحب الظلم، ولا يرضى به، ولا يترك الظالم بدون حساب. اذن لابد من يوم تُعاد فيه الموازين إلى نصابها، يوم الإنصافٍ والحساب، يومئذ تظهر أجلي صور العدالة الكاملة الحقة، حيث ينعم بالجنةٌ من كان محسنا، ويستحق النار من أصرّ على الظلم.

نجمل فنقول, كما في العلم، كذلك في الإيمان, يتضح لك قارئنا العزيز, ان أصولا قليلة، واضحة، متى ما استقرت في النفس بهدوء، أنبنى عليها فهم واسع، وسلوك مستقيم، ورؤية متماسكة للكون.

هكذا يستبين القانون الشامل للبساطة في جميع ارجاء الوجود, في العلم وفي النفس وفي الاعتقاد.

زر الذهاب إلى الأعلى