آخر الأخبار
الرئيسية / أدب / قصة قصيرة: قاتلٌ في أزقة القرية

قصة قصيرة: قاتلٌ في أزقة القرية

بقلم : محمد حبيب الراشد

على عادتها في الخمس السنوات الأخيرة ، دخلت أم علي إلى غرفة ابنها التي لم تتغير ملامحها منذ آخر ليلةٍ له في تلك الغرفة الصغيرة .

جلست على سريره الذي كان بجانب النافذة التي ملأها بصور عديدة لم تعرف أغلبها ، ربما كانت شعارات أندية كرة قدم ، فقد كان كثيرا ما يتحدث بسعادة مع أصدقائه عن كرة القدم ، كانت تسمعه يتحدث متحمساً عندما تمر بجانب المجلس ، كان ذلك قبل أن تبدأ أسنانه بالذوبان .

هذا كان أول ما دق ناقوساً غريباً في رأسها عندما لاحظته ، أسنانه صفراء وابتسامته غريبة كأنها ممزوجة بحالة عصبية وارتجافة مقلقة .

بجانب السرير وعلى طاولة صغيرة كانت صورته مع ابن عمّهِ حسن ، عندما انتبهت إليها هذه المرة قلبتها لكي لا تفقد السيطرة على مشاعرها ،لم تكن تريد لمشاعر الغضب أن تطفو في هذه اللحظة بالذات . كلما تذكرت هذا الفتى كلما انفجر بركانٌ في أعماقها مرسِلاً حِمماً تطوف في كامل جسدها حتى تصل لعينيها فتستحيل جمرةً متوقدة .

لقد كان قاتل ولدنا ، قالت لزوجها في إحدى الليالي الكئيبة الكثيرة التي ملأت حياتهما ، لم يبدِ زوجها أي ردٍ غير تنهيدة وتحريك رأسه معطياً إشارة على أن (ما باليد حيلة).

عندما قلبت صورة ابنها مع حسن والذي (ربما يتمشى الآن بسيارته اللكزس الجديدة في طرقات القرية ) سمعت صوت ارتطامها بالطاولة فانبثقت في مخيلتها ذكرى تلك اللحظة الغريبة التي ارتطمت فيها يد زوجها على طاولة الطبيب .

-ماذا تقول ؟ مالذي قتل ابني؟

-الكبتاجون ، أنا آسف لذلك ياسيدي

من هو هذا الكبتاجون ؟ تساءلت بصمت ويداها اللتان تمسكان بعضهما ترتجفان . لقد كانت تعلم أن السؤال مكتوب على انقباضات وجهها عندما كانت تواجه الطبيب .

من يكون هذا القاتل ؟ تساءلت في أعماقها من جديد .

عندما تتذكر تلك اللحظة تتذكر أيضاً أنها تخيلته قاتلا متوحشاً مرعباً مختبئاً في ظلام الأزقة، يلقي بعدوى فيروسية أو شيءٍ من هذا القبيل على المارة في الظلام .

الكبتاجون ، من يكون هذا الوحش المُعدي؟ لابد أن له رائحة نتنة مثل رائحة ولدي و التي صارت سمته الدائمة قبل أن يتوقف قلبه أثناء نومه ، أو ربما له شفاه سوداء ذابلة كما تحولت شفاه وحيدي الوردية الجميلة .

عندما أفاقت من غفوة الذكريات المؤلمة نظرت لدولاب ولدها أمامها ، ونظرت لصورتها متمزقة في المرآة الصغيرة المتكسرة في باب الدولاب ، والتي حطمها علي بضربة قوية بقبضة يده اليمنى لكي يُعلم أمه برفضه لسؤالها المتكرر عن وضعه المنحدِر في الثانوية .

لم يكن ولدي علي من فعل هذا ، لم يكن علي ليمزقني إلى أشلاء ، لقد كان هذا الوحش المُعدي ، والذي جلبه حسن إلينا ، يا إلهي .. كيف يتمشى حسن سعيداً في وسط القرية ؟ لماذا يضحك معه الجيران ويتبادلون معه التحايا ؟ لماذا يعيش بيننا آمناً مطمئناً؟

ألا ينظرون إلى جراحي ؟ هل ينتظرون أن تتحطم حيوات أبنائهم واحدةٍ تلوَ أخرى . أي غشاء متينٍ يحيط بعقولهم ؟ إن الوحش المعدي متربصٌ بهم جميعاً … إنه يختبى في جيب حسن … إنه يضحك عليكم في جيب حسن ، إن نهايتكم في جيب حسن … أوقفوا حسن .

ملاحظة: القصة من وحي خيال الكاتب والأسماء مستعارة.