مقالات

📖 كربلاء .. صدمةٌ في التاريخ الإنساني

✍🏼 تركي العجيان

وأسدل الستار على واقعة كربلاء الأليمة، بعد أن مضى الإمام الحسين “عليه السلام” ـ كما أخبر رسول الله “صلى الله عليه وآله” ـ شهيدًا غريبًا مظلومًا.

وهنا يقف الوجدان الإنساني أمام سؤالٍ يكاد يعجز عن احتماله: كيف لأمةٍ يصدح مجتمعها كلَّ يوم بنداء: “أشهد أن محمدًا رسول الله”، أن تصل إلى هذه اللحظة؟

كيف لأمةٍ يتردد في أسماعها اسم رسول الله “صلى الله عليه وآله” صباحًا ومساءً، أن تقدم على قتل سبطه وسيد شباب أهل الجنة بتلك الصورة المفجعة التي هزّت ضمير التاريخ الإنساني؟

إنها ليست حادثة قتلٍ عابرة .. بل صدمةٌ كُبرى كشفت ما يمكن أن يصل إليه الإنسان حين تنفصل الشعارات عن الحقيقة، وينفصل الدين عن الوعي، وينفصل الانتماء عن الثبات.

هذا الحدث المفجع لم يكن مجرّد واقعةٍ دامية في التاريخ، بل زلزالًا وجدانيًا هزّ ضمير الأمة الإسلامية.

فمن الناس من انهار لهول المصيبة وفداحة ما جرى، ومنهم من استيقظ وجدانه بعد غفلةٍ طويلة، وآخرون حاولوا تبرير الموقف هروبًا من مواجهة الحقيقة، بينما خاف بعضهم فآثر الصمت والانزواء، وهناك من تأخر وعيه حتى انتهى كل شيء؛ بل انتهت حياته دون أن يستيقظ.

وفي الأيام الأولى بعد الواقعة، بدأت الصدمة تتحرك في الوجدان الإنساني حين مرّ بعض رجال ونساء بني أسد بصحراء كربلاء، فرأوا الأجساد الطاهرة المضرّجة بالدماء ملقاة على رمضاء الطف.

كان مشهدًا يفوق احتمال القلوب؛ فأثار الحسرة في صدور الرجال، وأشعل الألم في أفئدة النساء، وكأن كربلاء بدأت منذ تلك اللحظة تفتح جرحها الكبير في ضمير الأمة.

ثم جاءت مسيرة العقيلة زينب “عليها السلام” من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام، ثم عودتها مرورًا بكربلاء وصولًا إلى المدينة المنورة، لتواصل تحريك الوجدان الإنساني وكشف الحقيقة أمام الأمة؛ لعلها تستيقظ بفضل تلك الصدمة.

نعم؛ لقد استيقظ البعض، غير أن آخرين ظلّوا غارقين في غفلتهم، حتى ختمت القسوة على قلوبهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ “المطففين، 14”.

ولم يتوقف مشروع تحريك الوجدان الإنساني عند حدود كربلاء ومسيرة السبي، بل واصل الإمام زين العابدين “عليه السلام” هذا الدور العظيم في أعماق المجتمع الإسلامي.

فقد كان “عليه السلام” ينتهز كلَّ فرصة، ويستثمر كلَّ موقف، ليعيد ربط الناس بما جرى في كربلاء، ويوقظ في نفوسهم حقيقة تلك الشهادة العظمى.

لم يكن “عليه السلام” يريد مجرّد استحضار الحزن، بل كان يسعى إلى إعادة الأمة لمواجهة نفسها، وتحريك الضمير الإنساني في داخلها؛ لعلّها تستيقظ من غفلتها، وتقف أمام الحقيقة بشجاعةٍ وصدق.

لقد أراد الإمام زين العابدين “عليه السلام” ألا تتحول كربلاء إلى ذكرى عابرة، بل إلى صدمةٍ حيّةٍ تهزّ الوجدان، وتدفع الإنسان إلى مراجعة ذاته وموقفه ومسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى.

وهكذا استمرت رسالة كربلاء في تحريك الوجدان الإنساني عبر مسيرة الأئمة “عليهم السلام” وأتباعهم جيلًا بعد جيل، حتى غدت جزءًا حيًا من ذاكرة الأمة ووعيها.

وستظل كربلاء تصرخ في أعماق الإنسان، وتدعوه إلى اليقظة والثبات ومواجهة الظلم، حتى يأذن الله سبحانه وتعالى أن تشرق الأرض بنور إمام زمانها المهدي المنتظر “عجل الله تعالى فرجه الشريف”.

غير أن استجابة الناس لهذه الصدمة لم تكن على نسّقٍ واحد؛ فكما أن الصدمات الكبرى قد توقظ إنسانًا وتدفعه إلى مراجعة ذاته، فإنها قد تدفع آخر إلى مساراتٍ مختلفة بحسب وعيه واستعداده الداخلي.

ومن هنا انقسمت المواقف تجاه كربلاء في اتجاهين متباينين، إلا أن الحدَّ الفاصل بينهما دقيقٌ للغاية، كحدِّ السيف؛ فلا يعلم حقيقة موقع الإنسان من هذين الاتجاهين إلا الله سبحانه وتعالى، ثم الإنسان نفسه؛ لأن الحقيقة ليست فيما يظهر للناس، بل فيما يختبئ في أعماق النفس.

فهناك من استيقظ وجدانه، فمثّلت له كربلاء مواجهةً حقيقية مع ذاته، أعاد من خلالها حساباته مع خالقه، وأعاد رسم حياته ضمن المنهج الذي دعا إليه الإمام الحسين “عليه السلام”. ذلك المنهج الذي أعلنه “عليه السلام” منذ اللحظة الأولى لنهضته المباركة بقوله: ((إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي)).

لقد تحولت هذه الصرخة الحسينية إلى نداءٍ أيقظ ضمير الكثيرين، فراحوا ينهلون من مدرسة الإمام الحسين “عليه السلام” ما يعيدهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويرشدهم إلى طريق الحق والوعي والثبات.

أما الاتجاه الثاني، فتمثل في أولئك الذين تحولت عندهم كربلاء من مشروعٍ لإيقاظ الوعي والضمير، إلى وسيلةٍ لتحقيق تطلعاتٍ ذاتيةٍ ومصالح شخصية، ظنّوا أن بلوغها سيمنحهم ما يبحثون عنه من امتلاءٍ أو مكانةٍ أو نفوذ.

غير أنهم ـ وهم يشعرون أو لا يشعرون ـ كانوا يلهثون خلف سرابٍ يتخفّى خلف الشعارات والعواطف والانتماءات. وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء لديهم تحركاتٍ منحرفةٍ عن الطريق المستقيم، بل قد يكونون في عمق الانتماء الحسيني، إلا أنهم – ونتيجة الغفلة – قد اتّجهوا في غير الطريق الصحيح لتحقيق أهدافٍ وتطلعاتٍ وإن كانت في حقيقتها مشروعة إلا أن الطريق إليها ليس كذلك.

ولم يقتصر هذا الأمر على الأزمنة الماضية، بل يمتدّ إلى واقعنا المعاصر؛ إذ لا يزال هناك من يتخذ من كربلاء وسيلةً لتحقيق آماله وتطلعاته، بوعيٍ منه أو دون وعي، وبقصدٍ أو من غير قصد. ومثل هؤلاء قد يكتشفون ـ متأخرين ـ أن تلك التطلعات لم تكن إلا سرابًا، كما وصفها الله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ “النور، 39”.

وهنا تتجلّى خطورة الغفلة حين يستغل الشيطان حرارة كربلاء في القلوب، فيحوّل الإنسان تدريجيًا من طريق الوعي والإصلاح إلى مساراتٍ بعيدةٍ عن الصراط المستقيم، حتى تغدو القلوب أقلَّ قدرة على رؤية الحقيقة والاستجابة لها.

ولا نجاة من هذا الانحراف إلا باليقظة الصادقة، وبالوعي العميق، وبأن يعيش الإنسان صدمته الكبرى التي تكشف له حقيقة ذاته، فيعود إلى الطريق الذي أراده الله سبحانه وتعالى له.

والسؤال الذي تركته كربلاء معلقًا في ضمير التاريخ ليس: من الذي قتل الإمام الحسين “عليه السلام” فحسب، بل: أين يقف الإنسان حين تُعرض عليه الحقيقة؟ وهل يمتلك شجاعة مواجهة ذاته قبل أن يفاجئه التاريخ بامتحانٍ لا ينفع معه الندم؟

لقد كانت كربلاء صدمةً في التاريخ الإنساني؛ لأنها لم تكشف سقوط أمةٍ فحسب، بل كشفت هشاشة الإنسان حين يغيب الوعي، ويضعف الثبات، وتتحول الشعارات إلى قشورٍ بلا روح.

وستبقى كربلاء توقظ الوجدان الإنساني جيلاً بعد جيل، وتدعو الإنسان إلى مراجعة نفسه، والعودة إلى الله سبحانه وتعالى بوعيٍ لا بغفلة، وببصيرةٍ لا بانفعال.

وهكذا تتحوّل تلك الصدمة إلى وقفةِ تأمّلٍ جادّة، ومواجهةٍ حقيقيةٍ مع الذات، يعود من خلالها الإنسان إلى خالقه جلّ وعلا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ “النور، 39”.

زر الذهاب إلى الأعلى